يبدو للوهلة الأولى أن الانقلاب العسكري في مالي، الذي انتهى بتنازل الجيش عن السلطة بعد تأكيدات من المحكمة العليا المالية بأن رئيس البرلمان دينكوندا تراوري يمكنه أن يصبح الرئيس المؤقت للبلاد إلى حين إجراء انتخابات جديدة، يعد أحد أكثر الانقلابات العسكرية غرابة في الأزمنة الحديثة. فقد قام الرئيس أمادو توماني توري، الذي أطاح به ضباط في الجيش في 21 مارس الماضي بمزاعم سوء إدارته لحملة محاربة تمرد قبائل الطوارق في شمال مالي، بتقديم استقالته في 8 أبريل الماضي، وتلا ذلك مطالبة زعيم الانقلاب، الكابتن أمادو سانوغو، المحكمة العليا في مالي بإصدار حكمها.

وفي غضون ذلك، يشتد التمرد ضراوة مظهرا ضعف مزاعم الجيش، أولا، خسر الجيش مدن كيدال وغاو وتمبكتو بعد الانقلاب العسكري، وباتت المنطقة التي تحت سيطرة الثوار تعادل حجم بلد مثل فرنسا، وما يفاقم الوضع هو ان الطوارق انفسهم هم على خلاف جدي مع مجموعة انصار الدين الساعية إلى فرض الشريعة الإسلامية.

وبالتالي، تحتاج مالي إلى العودة فورا إلى الحكم الدستوري حتى يتمكن الجيش والحكومة من التعامل مع عوامل اشتعال التمرد الشمالي، ومحاولة حل المشكلات الهائلة والعاجلة التي تواجهها البلاد ذات الـ 14 مليون نسمة. وما يجعل الانقلاب في مالي ناجحا هو ان العقوبات المفروضة من قبل الاتحاد الأوروبي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا كانت فعالة جدا في إنهاء الحكم العسكري، فالرئيس أرسل برسالة الاستقالة إلى المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا بدلا من المحكمة العليا في باماكو. والحادثة كلها تظهر قيمة التحركات السلمية الحاسمة للمؤسسات الدولية. لا حديث عن غزو، أو تغيير نظام، أو تدخلات أخرى كالتي سببت الكثير من الأذى في أماكن أخرى.