تتصف مهمة الرئيس الفرنسي بالكآبة، لكن يتوجب على أحدهم القيام بها، هذه كانت وجهة نظر الرئيس الفرنسي الأسبق شارل ديغول حين قال في إحدى المرات: بدت المهمة الملقاة على عاتقي واضحة وفظيعة، في هذه اللحظة الأسوأ في تاريخ فرنسا، كان علي تولي أعباء البلاد.
أما الزعيم الاشتراكي فرنسوا هولاند الفائز في الجولة الأولى من سباق الرئاسة، فيبدو أكثر تفاؤلًا. فهو يشعر بالفوز ضد الرئيس ساركوزي، ويقول: التغير على قدم وساق، ولا شيء سيوقفه الآن. وهذا ما سيتضح قريباً، حيث إن الرئيس الفرنسي الحالي ساركوزي الذي سيحارب حتى الرمق الأخير ليثبت له خطأه، قد يبقى في منصبه.
لكن إذا انتخبت فرنسا الرئيس الاشتراكي الأول لها منذ عام 1988، فإنها ستحمل هولاند ليس فقط المشكلات الداخلية، وإنما أيضاً أحلام قادة، بما في ذلك زعيم حزب العمال البريطاني أد ميليباند، ممن يأملون في أن تضعف قبضة اليمين الوسط على أوروبا، علماً أن المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي دعمت حملة ساركوزي قد تواجه احتمال السقوط في الانتخابات الألمانية المقبلة.
وقد يكون متسرعاً استخلاص تعميم من الهزيمة المحتملة لرئيس غير محبوب في فرنسا. وإذا كان هناك من رئيس رسم مصيره السياسي بنفسه، فإنه الرئيس ساركوزي الذي أعطت مواقفه المعادية للإسلام وتلميحاته العنصرية شرعية لشكاوى الناس التي ضخمتها مارين لوبن، وصوت لها واحد من أصل خمسة فرنسيين.
لكن على الرغم من ان استطلاعات الرأي تنبأت بفوز هولاند بنسبة 54% مقابل 46% لساركوزي في الجولة الثانية، إلا ان لهولاند أسبابه للشعور بالقلق، ففوزه في الجولة الأولى كان سببه جزئياً اختراق الجبهة الوطنية.
وتراجع التأييد لأقصى اليسار يعني انه سيحتاج إلى كسب تأييد أصوات ناخبي الوسط، ليس هذا فحسب، وإنما أيضاً أصحاب الياقات الزرقاء من العمال اليدويين الذي يفضلون لوبن لكنهم يكرهون ساركوزي. وعلى امتداد أوروبا الشمالية، فإن اليسار سيواجه ناخبين غاضبين، كما أظهرت نتائج فوز جورج غالاواي على مرشح حزب العمال في غرب برادفورد.
تهديد النظام
وعلى الرغم من ان المنشقين من شتى الأنواع يهددون النظام القائم، فإن صعود مارين لوبن يلائم نمطاً جديداً من انبعاث اليمين المتطرف الذي يجب أن يثير المخاوف عند كل الموجودين في خط الوسط. فلوبن نموذج فاشي، يبيع علامة جديدة براقة من الكراهية جذبت بعض الناخبين الفرنسيين وبعض المراقبين على جانبي ضفة الأطلسي ممن حيوا إنجازها بما يشبه الاحترام. لكن هذه اللطافة الملطخة بالسواد تجعل مصمم الفاشية أكثر مكراً وتسميماً من المرارة الأكثر فظاظة لمعاداة الهجرة.
ومؤيدو ساركوزي ممن يفضلون المحرض على الانقسامات العنصرية ويناهضون انتخاب رئيس اشتراكي، يجب ان يحترسوا أكثر في رغباتهم، فيما الابتهاج في أقصى اليمين الذي يلطخ فرنسا يجد أصداؤه على امتداد أوروبا. وهذا الطيف من التطرف يقع في طرفه الوجه المقبول لسياسات الرهاب من الأجانب. وفي بريطانيا، فإن تقدم حزب الاستقلال البريطاني على الليبراليين الديمقراطيين في بعض استطلاعات الرأي، يعني ان كاميرون عليه ان يقرر ما إذا كان يفترض به ان يستسلم لصفارات الإنذار في موقع البديل ويتجه إلى اليمين. والمشهد المرجح لقيام ساركوزي بهذا الأمر في محاولة أخيرة للتمسك بالسلطة بوسائل تافهة يجب ان يقنع رئيس الوزراء بحماقة هذا المسار.
غطرسة الشر
وفي غضون ذلك، فإن النازيين الجدد من عصبة الدفاع الإنجليزية تظاهروا في بريطانيا أخيراً. وفي قاعة محكمة في النرويج، يجسد أندرس بريفيك غطرسة الشر فيما يتبجح بذبحه ناشطين في سن المراهقة كانوا سيتحدون نظرته المتعالية للعالم، لو تسن لهم البقاء أحياء.
وفي غضون ذلك، فإن العلاقة بين الآفات الاقتصادية والتطرف اليميني يلقي بظلاله السوداء على قارة أوروبا، في الوقت الذي تضع الديمغرافيا قوة جديدة في الملعب. وكما وضح خبير الهجرة الأميركي فرانك شاري، فإن الصعود الهائل في أصوات الناخبين من الأقليات، لا سيما من أصول لاتينية، على الأرجح انه سيضمن لأوباما ولاية ثانية. ولأسباب متنوعة، وليس أقلها الفقر، فإن قصة شبيهة تحدث في بريطانيا، حيث جذب حزب العمال 68% من الأقليات العرقية في انتخابات 2010 ضد المحافظين 16%.
زلزال انتخابي
ومع تزايد أصوات الناخبين بين الأقليات ونمو المشاعر اليمينية المتطرفة وتعمق المآسي الاقتصادية، فإن أوروبا معرضة لمخاطر زلزال انتخابي واجتماعي لا يمكن لأي حزب ان يتجاهله.
وفي هذه اللحظة المفصلية، فإن اشتراكي فرنسي بشخصية كاريزمية محدودة يمكنه مع ذلك أن يحدد مستقبل قارته. لكن إذا سقط هولاند، فإن أحلام اليسار الوسط لأوروبا قد تسقط معه. هذا إذا لم ينهض ساركوزي من جديد كما يمكن ان يفعل.
وفي غياب مثل هذه التحول، فإن دور أطلس، حامل قبة السماء في الأساطير الإغريقية، سيقع على أكتاف فرنسوا هولاند، الذي يعد الأقل ترجيحاً من بين كل الجبابرة لهذا الدور في ظل أحلك الأوقات، وحتى ديغول كان يمكن ان يرفض تحمل هذا العبء. الوظائف والأمل
وُصف البيان الاقتصادي لحملة هولاند ظلماً بأنه يساري متطرف، علماً ان أجندة هولاند المتعلقة بخفض العجز لا تختلف كثيراً عن أجندة الرئيس الحالي. وإذا تم انتخابه، يمكنه أن يتجاهل الوعود التي قدمها على نحو متسرع.
لكن هولاند سيتحدى أرثوذكسية التقشف ويؤيد النمو ويشجع قيام مصرف مركزي أوروبي نشط، مما يثير قلق ألمانيا. وإذا أتى بشكل غير متوقع بتركيبة خلق الوظائف والأمل، فإن التطرف قد يتلاشى والإيمان بسياسات التيارات السياسية الرئيسية ستبرز مجدداً، وسيجد نفسه في وجهة اليمين من التاريخ.
