ساد إحساس إثر صدور نتائج الانتخابات الفرنسية، بأن الرئاسة الفرنسية ستكون من نصيب المرشح الاشتراكي فرنسوا هولاند، إلا إذا قرر هذا الأخير أن ينسحب. وفي غضون ذلك، كان الرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي سباقاً في تسجيل كم هائل من الأخطاء في الانتخابات الأخيرة أكبر من ان تمكنه من استعادة موقعه. دخل السباق باعتباره أحد أقل الرؤساء الذين عرفتهم فرنسا شعبية، وبرز خلال الجولة الأولى على أنه الرئيس الوحيد الشاغل لمنصبه الذي يتراجع إلى المرتبة الثانية في الانتخابات.

 ويواجه الآن احتمال ان يصبح الرئيس الفرنسي الأول بولاية واحدة منذ الرئيس الفرنسي الأسبق فاليري جيسكار ديستان، والذي يشاركه في سياسته ذات التوجهات اليمين - الوسط وميله لمصاحبة النجوم. لكن علم الحساب ليس علماً جافاً وقاطعاً، بأي حال من الأحوال، كما يقول اليسار الفرنسي، وكما زعم على ما يبدو معسكر هولاند بالتحديد صبيحة تلك الليلة المحمومة. وبالطبع، كانوا في حاجة إلى إبقاء المعنويات مرفوعة قبل انتخابات الجولة الثانية، وإحدى الطرق للقيام بذلك تتمثل في إيجاد إحساس بحتمية النتيجة. لكن ساركوزي.

كما أظهر رد فعله المشاكس على الهزيمة، ليس شخصاً يقبل بالخسارة إلى أن يدلي آخر ناخب بصوته. والحضور على صناديق الاقتراع الذي بلغت نسبته 80% أظهر أن فرنسا ليست بأي حال من الأحوال ساهية أو منفصلة عن السياسة كما كانت تقول التوقعات، بل أن الفرنسيين ما زالوا يريدون ان تكون لهم كلمة فيمن يدخل الإليزيه المرة المقبلة، لأنهم مستائين من الوضع الاقتصادي وواقع فرنسا وشؤون حياتهم.

ولا تعني أرقام الجولة الأولى بحد ذاتها أن فوز ساركوزي بالرئاسة مستحيل. فقد كان هامش خسارته أمام هولاند أقل من نقطتين مئويتين، على الرغم من المعدلات الضعيفة لاستطلاعات الرأي المتعلقة به. والفوز المخيب للأمل بنسبة 11% لمرشح أقصى اليسار، جون لوك ميليشون، لن يؤدي بالاشتراكيين إلى تحقيق نسبة 50% حتى مع أصوات الخضر.

 

حصيلة انتخابية

وفي الواقع، حصيلة الانتخابات ستعتمد على أمرين لا يمكن التكهن بهما. الأول يتوقف على ما إذا كان مرشح الوسط، فرنسوا بايرو، سيوصي مؤيديه في الجولة الأولى بكيفية الإدلاء بأصواتهم في الجولة الثانية، ولقد حصد نسبة متواضعة نسبياً بلغت 9% لكنها مع ذلك مفصلية. فإذا مال إلى اليسار الآن، فإن هولاند سوف يفوز.

لكن الحدث الأكبر والأكثر أهمية الذي لا يمكن التكهن به، يتعلق بوجهة الأصوات التي فازت بها مرشحة الجبهة الوطنية، مارين لوبين، والتي سجلت رقماً قياسياً نسبته 18%. وهذا يعتمد بشكل واسع على منبع هذه الأصوات. فكم يبلغ عدد الأصوات المؤيدة لها من الجولة الأولى والتي كان الحافز الأساسي وراءها مشاعر قومية يمينية ورهاب من الأجانب، وما هي النسبة التي كانت مسببها خيبات الأمل الإجمالية بسياسات المؤسسات القائمة، بما في ذلك تلك المتعلقة بساركوزي؟ والمجموعة الثانية على الأرجح سوف تصوت لصالح هولاند، إذا صوتت أصلًا. والمجموعة الأولى قد تسرع من عودة ساركوزي إلى السلطة.

 

خطب ود الناخبين

ويدرك ساركوزي هذه الأوضاع جيداً، وقد بدأ رحلة خطب ود ناخبي الجبهة الوطنية وإن بشيء من التسرع غير اللائق، حيث قال إن أولوياته في الجولة الثانية ستركز على الهجرة وأمن الحدود وإبقاء الوظائف داخل البلاد، مقترحاً في الوقت نفسه ما لا يقل عن ثلاثة سجالات علنية متلفزة. وخبرة في مجال اتخاذ القرارات الصعبة المطلوبة في المناصب العليا تعد ملعباً مناسباً تماماً لحملة ساركوزي الانتخابية. لكن تبني سياسات لوبين، يعد أمراً غير مستساغ بقدر ما هو خطر، نظراً لمراكمته ديوناً لا يمكن القبول بها مستقبلًا. مكافأة الانتخاب

 

سيمثل كسب ود ناخبي الجبهة الوطنية إغراءً كبيراً لساركوزي، مع الأخذ في الاعتبار حجم الأصوات التي حصدتها مرشحة هذه الجبهة، وطبيعة الرئيس الرافضة للاستسلام. لكنها سوف تلطخ سمعة ولايته الثانية إلى الأبد. سيكون دوماً الرئيس الذي باع روحه للبقاء في السلطة.

وقد رفض جاك شيراك التعامل مع الجبهة الوطنية تحت أية شروط، وشكل هذا الأمر إحدى ملامح الإعجاب بحياته السياسية. وكانت المكافأة التي حصدها إعادة انتخابه بأغلبية ساحقة من قبل البلاد، التي شعرت بالخجل عندما تأهل جان ماري لوبين لخوض الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية في 2002. وبعد وصوله إلى السلطة بواسطة حملة الجبهة الوطنية، فإن ساركوزي سيمضي بولاية ثانية تعد صورة طبق الأصل لصورة سلفه، فالرئيس المقبل لفرنسا، يجب ان ينتخب بناءً على مؤهلاته الشخصية، أو لا ينتخب على الإطلاق.