قد تبرهن المأساة التي وقعت في النرويج على أنها لحظة فاصلة فيما يتعلق بطريقة تعاطي أوروبا مع مجموعات اليمين المتطرف وأنصارها وأيديولوجيتها. على مدى سنوات، كانت الديمقراطيات الأوروبية وخدمات الأمن التابعة لها تركز بشكل يكاد يكون حصريا على الإرهاب المستلهم من القاعدة، وتتجاهل المجموعات اليمينية المتطرفة والمجموعات التابعة لها الأكثر عنفا باعتبارها حركات غير منظمة ومشرذمة ولا تأثير لها في الواقع.
وهذا الاعتقاد السائد تجاهل اتساع الأدلة التي تشير إلى بروز مزاج أكثر عنفا ومواجهة ضمن أوساط اليمين المتطرف الأوروبي. وهذا التحول في المزاج كان يمكن ان يكون عبارة عن رد فعل على وصول الإرهاب المستلهم من القاعدة إلى أوروبا، أو عن إحساس بان الأحزاب السياسية اليمينية المتطرفة في أوروبا، مثل حزب التقدم النروجي الذي كان مرتكب المجزرة عضوا فيه فيما مضى، لا تملك ما يكفي من النفوذ لتؤثر في قضايا مثل الهجرة.
ومجزرة النرويج تتحدى فكرة أن التطرف اليميني يشكل مجرد تهديد أمني بسيط. ومنابع التأثيرات الأيديولوجية توضحت مع الوقت. فقد كان بريفيك بعيدا عما يمكن تسميته تطرف الجناح اليميني التقليدي، كان قلقا حول تأثير الهجرة وتعدد الثقافات والإسلام ونمو المجتمعات المسلمة المستقرة، لكنه أيضا كان رافضا للتفوق العنصري المحض أو أفكار الفاشية الجديدة والأحزاب التي تبنت هذه الأفكار، مثل الحزب الوطني البريطاني. وقد يكون رفضه لها هو الذي أثار اهتمامه في "عصبة الدفاع الإنجليزية". وكان متأثرا بسرعة نموها، لكنه أيضا أشاد "بالخيارات التكتيكية" لقادتها، بما في ذلك موافقته على رفض الخطاب المتفوق التقليدي وعنصرية العرق الأبيض، ومعارضة الإسلام على أسس ثقافية.
وهذا التمييز بين أشكال من التطرف اليميني المبنية على العرق تقليديا، والسرد الجديد المعادي للمسلمين، يعكس تغيرا أوسع نطاقا داخل اليمين الأوروبي. وبدلا من معارضة الهجرة والإسلام على أسس عرقية، وهذا النقاش يجذب تأييدا محدودا، فقد انتقل التشديد على القضية الثقافية الأكثر قبولا في المجتمع، فالمسلمون ليسوا دونيين بل متضاربين مع الأوروبيين ثقافيا، والهدف من ذلك هو انفتاح المجموعات اليمينية المتطرفة على جمهور أكبر.
وكما يعتقد معظم المنطوين ضمن اليمين المتطرف، فإن بريفيك عبر عن مخاوف عميقة من مجموعة تهديدات في المجتمع الأوسع نطاقا، إلا أنه بدا وكأنه ينظر إلى الأحزاب الرئيسية ضمن التيار العام كما لو أنها غير مستعدة أو قادرة على الرد بشكل مناسب.
وكان في إحدى المرات عضوا في حزب التقدم اليميني الدنماركي، وشارك في تجمعات معادية للهجرة وانتقد المسلمين، لكنه لاحقا شجب أعضاء داخل هذا الحزب واصفا إياهم ب "سياسيين يمتهنون التصحيح السياسي" وغير مستعدين " للمخاطرة والعمل على أهداف مثالية". وعلى نطاق أوسع، فان بريفيك كان رافضا بقوة لنفوذ الثقافة الماركسية وسياسة "التصحيح السياسي"، ودعا أقساما من اليمين إلى مواجهة هذا التأثير من خلال الاستيلاء على وسائل الإعلام ومواقع النفوذ الأخرى.
تمييز بريفيك
ويبدو شجب بريفيك باعتباره استثناء نرويجيا أمرا سهلا، لكن هذا الأمر سيكون خطأ. يمكن تمييز بريفيك من خلال أفعاله، لكن من المهم أيضا ملاحظة ان بعضا من مخاوفه العميقة لعبت أيضا دورا بارزا في السياسة النرويجية والأوروبية بشكل أعم. وما أصبح واضحا الآن انه يوجد ثقافة عنف داخل الثقافة الفرعية لليمين المتطرف في الإطار الأوسع. وكثير من الأفكار التي طفت على السطح تتحدث عن التهديد المتصور للمجتمعات المسلمة، والاعتقاد بأن الأحزاب ضمن التيار الرئيسي العام غير قادرة على التعامل مع التهديد، وأن الصراع هو "صراع حضارات" بين أعضاء من السكان يشكلون فيه الأغلبية ومجتمعات الأقليات.
وهذه النشاطات عبر المواقع الإلكترونية والمجالات الأدبية واللقاءات، كان بريفيك على ما يبدو مطلعا عليها، وكانت تزرع بين أنصارها حكايات كثيرة، لا سيما الاعتقاد بانهم يخوضون معركة بقاء عرقي أو ثقافي، وأن الخيارات السياسية الموجودة غير قادرة على الرد على هذا التهديد، وأن تحركا طارئا وراديكاليا مطلوب للرد على هذه التهديد.
وهذه الدوافع تزود اتباع اليمين المتطرف والمجموعات الأصولية بالأفكار لإقناع الناس في الانخراط في النشاطات.
