تعد مقاطعة تشونغتشينغ من أكثر المدن الصينية أهمية حيث تقع على تلال نهر اليانغتسى، و يظلل الضباب ناطحات السحاب فيها. و هناك أكثر من 30 مليون شخص يعيشون هناك، على مساحة تمتد لأكثر من 50 مرة ضعف حجم لندن. وقد كان الوصول إلى حكم هذه المدينة، حتى الشهر الماضي، يحمل مزيجاً من التعطش للسلطة والمال أكثر من أي حقبة في تاريخ الصين الطويل.
كان بو زيلاى، البالغ من العمر 62 عاماً وسكرتير الحزب في المقاطعة، يعتقد أنه يمكن أن يصبح يوماً ما حاكماً مطلقاً في الصين. و كانت زوجته الثانية، وهي غو كايلاي المحامية البالغة من العمر 54 عاما، تلقب باسم "الليدي ماكبث". واليوم، فإن كلاهما قيد الإقامة الجبرية في المنزل.
ولو أن لنا في التاريخ عبرة بشأن الطريقة التي يتعامل الحزب الشيوعي مع قادته السابقين، لكان من غير المحتمل أن نرى زيلاي في منصب عام مرة أخرى.
أما ابنهما بو جواجوا، البالغ من العمر 24 عاماً وهو طالب في جامعة هارفرد، فقد اختفى. وبعد أن كان فتى مستهتراً يجوب بسيارته الفيراري الحمراء شوارع العاصمة الصينية بكين، ربما يحتاج الآن إلى حماية من الولايات المتحدة.
خطاب
وكانت الرصاصة الفضية التي أدت إلى الإطاحة بالزوجين هي مقتل البريطاني نيل هايوود، و هو صديق للعائلة، في غرفة بفندق في تشونغتشينغ في شهر نوفمبر الماضي. فبعد وصوله إلى الصين في عقد التسعينات بهيئته الأنيقة و سيارة جاغوار فضية، حيث كان يستورد ملابس آستون للأغنياء الصينيين الجدد، كتب خطاباً إلى زيلاي و عرض خدماته كمستشار. وسرعان ما انضم إلى حظيرة الأسرة، كونه الأجنبي الذي يمكن أن يساعد العائلة ذات العقلية المنفتحة على العالم على إرسال ابنهما إلى بريطانيا لإكمال تعليمه في المدارس العامة هناك.
تلك العلاقة فتحت باب الثروة على مصراعيه أمام هايوود، حيث امتلك منزلاً واسعاً في مجمع سكني فاخر في شمال بكين. ولكن في الأشهر الأخيرة، صرح لأحد أصدقائه أن علاقته مع عائلة زيلاي قد توترت، بعد أن وشى به شخص في حاشيته الداخلية. وفي عالم تشوبه الضبابية حيث تتصادم السياسة والأعمال، فلا أحد يعرف ما سوف يحدث بعد ذلك، تم العثور على جثة هايوود في العام الماضي، في حديقة منزل زيلاي في تشونغتشينغ.
وفي الوقت الذي تبدأ المزيد من التفاصيل تتكشف بشأن أسرة زيلاي، رافق ذلك ظهور صورة تتشكّل عن زوجين تاقا إلى السلطة، وحرصا أشد الحرص على جمع الثروة، لدرجة أنهما اعتقدا أنهما فوق القانون. اتسمت علاقاتهما بالتشابك بحيث أصبحا تشكل خطراً على شخصيات قيادية في الحزب.
وكان زيلاي و زوجته غو من فئة "الأرستقراطيين الحُمر"، وهما أبناء أبطال الحزب. فقد كان والد زيلاي من أوائل الداعمين للرئيس الصيني الأسبق ماو، ومن بعده الرئيس السابق دنغ شياو بينغ، باعتباره واحداً من "حكماء" الحزب. وكان والد غو جنرالاً في جيش التحرير الشعبي الصيني.
عمال وفلاحون
فالدعاية الرسمية التي يعيشها قادة الحزب بتواضع، كأوفياء للحزب الشيوعي وحركة العمال والفلاحين، لا ينخدع بها أحد في الصين. فقد نشأ زيلاي وزوجته في مجمعات سكنية فاخرة، حيث كان يتم إعدادهما منذ سن مبكرة للوصول إلى القمة. وأظهر زيلاي، وهو خريج صحافة، ميله للدعاية التي ميّزته في بلد تسيطر عليه طبقة التكنوقراط المتسلطين.
وأعلن، فور توليه منصبه، أنه سوف يطهّر المدينة، التي ظلّت لأجيال تديرها عصابات إجرامية. وقام بتعيين قائد شرطة ذي "قبضة حديدية"، وهو وانغ ليجون، حيث كانا قد عملاً سوياً قبل ذلك. و في غضون 10 أشهر، تم اعتقال ما يقرب من 5 آلاف شخص، منهم رجال دين وضباط شرطة و محامين و قضاة ساعدوا في ازدهار نشاط المافيا. و كان من بين الجرائم خلال هذه الفترة، مقتل رئيسة دائرة العدل في المدينة في حادث إطلاق نار، والتي تبيّن أنها دفنت مبلغاً يقدر بحوالي مليوني جنيه استرليني تحت بركة السمك الخاصة بها.
وفي غضون ذلك، سادت مشاعر التمجيد تجاه زيلاي. ففي الأيام الأولى من ولايته، لم يكن هناك شيء سوى الإشادة بالجهود التي يبذلها لاجتثاث الفساد في المقاطعة. لكن ظهرت أدلة جديدة تبين أن الزوجين أمرا بنشر قوات الشرطة بهدف مهاجمة خصومهما وأعدائهما. وتم تدبير المكائد ضدهم وانتزاع الاعترافات منهم عن طريق التعذيب، و سجن المدافعين عنهم من المحامين. من جانبه، قام تونغ زيوي، استاذ القانون في جامعة شرق الصين للعلوم السياسية و القانون، بإرسال فريق من الباحثين إلى المدينة في الصيف الماضي لإعداد تقرير حول هذه الأحداث.
ويقول: "فعلت ذلك لأنني اعتقدت ما كان يحدث في تشونغتشينغ كان مناقضاً للقانون، وكنا بحاجة للبحث عن ذلك وتقديم تقرير في هذا الخصوص إلى القادة المركزيين". وكان مما اكتشفه الفريق أن قائد الشرطة في المدينة تحول إلى زعيم عصابة لصالح عائلة زيلاي، حيث جاء بالتقرير: "إن التعذيب والأساليب غير المشروعة في التعامل مع جميع الحالات تشير إلى ليجون وانغ". سقوط الفاسدين
لم يكن أي من أفراد أسرة بو زيلاي يتعرض لأذى، حيث كانوا مشمولين بالحماية من أصدقائهم في قيادة الحزب، والأهم من ذلك، من قبل جيش التحرير الشعبي الصيني. ولكن بعد ذلك، حاول وانغ ليجيون اللجوء إلى أقرب قنصلية أميركية بعد سقوطه مع زيلاي. وقد تم إيداعه السجن في بكين حالياً.
و يلفت البروفسير زيواي إلى أنه ليس من الواضح سبب سقوط هؤلاء الرجال، ولكن ليجون قضى حياته كلها كضابط شرطة. و أضاف: "لو كان ليجون شعر بتهديد زيلاي، فمن غير المحتمل أنه كان مفرط الحساسية إزاء هذه التهديدات". و كبادرة على انفصاله عن زيلاي، فقد قام بتسليح أعداء زيلاي بما يمكن أن يكون آخر قشة يحتاجونها لإسقاطه، وهي الكشف عن جريمة مقتل هايود.
