ربما لا تتخذ الحكومة الروسية خطوات أبعد من الدفاع عن مواطن واجه مشكلات في الخارج، كما حدث بالنسبة لتاجر الأسلحة الروسي فيكتور بوت، الذي قضت محكمة في نيويورك، أخيراً، بسجنه 25 عاماً.

و جاء ردّ وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف بقوله إنه سيناقش قضية بوت مع نظيرته الأميركية هيلاري كلينتون. واتخذ المكتب الصحافي لوزارة الخارجية الروسية موقفاً أبعد من ذلك، من خلال إصدار بيان خاص يعلن أن القضية ستصبح لها أولوية في العلاقات الأميركية الروسية. قد لا يكون الأمر مستغرباً لو أن الرئيس الروسي المنتهية ولايته ديمتري ميدفيديف، أو الرئيس المنتخب فلاديمير بوتين، أعربا عن عدم رضائهما إزاء مصير بوت كذلك.

 

روافع سياسية

وتصرّ موسكو على أن القضية لها دوافع سياسية. الجانب غير المعلن هو أن المحكمة الأميركية أصدرت الحكم بناء على أوامر من وزارة الخارجية، بسبب تورط بوت في بيع السلاح ضد إرادة واشنطن، ولأن هيئة المحلفين قد شاهدت على الأرجح فيلم «سيد الحرب» للممثل الأميركي نيكولاس كيدج في عام 2005، والذي يصور تاجر سلاح الذي يعد نسخة مستترة من بوت. ونتيجة لذلك، فقد تأثرت هيئة المحلفين بالتهمة البيّنة التي وُجهت لبطل الفيلم.

ويبدي المسؤولون الروس انزعاجهم بشكل خاص من اعتقال بوت في بلد ثالث، وتسليمه إلى الولايات المتحدة للمثول للمحاكمة. وهؤلاء الذين يزعمون أن واشنطن تحاول لعب دور شرطي العالم، يستشهدون بقضية بوت كدليل على ذلك.

يكاد يكون من المستحيل العثور على تقرير واحد في وسائل الإعلام الروسية يفسر سبب إعطاء بوت مثل هذا الحكم المطول، أو الإشارة إلى حقيقة أن النيابة العامة كانت تطالب بسجنه مدى الحياة. وبشكل عام، فقد ذكرت تقارير روسية أن بوت كان يخطط لبيع طائرتي شحن، إما لكبار تجار المخدرات أو للعصابات المسلحة في كولومبيا.

 وفشلت هذه التقارير بشكل تقليدي في الإشارة إلى أن بوت وعد أيضاً زبائنه ببيع حوالي 100 صاروخ أرض-جو لاستخدامها ضد طائرات الهليكوبتر الأميركية التي تقاتل المتمردين في كولومبيا، وعشرين ألف بندقية آلية من طراز «إيه كي-47»، و20 ألف طلقة ذخيرة لقاذفات قنابل، و740 قذيفة هاون، و350 بندقية قناصة، و10 أطنان من متفجرات «سي-4»، في مقابل الحصول على ثمن إجمالي يقدر بـ 20 مليون دولار. كان من الممكن استخدام جميع هذه الأسلحة لقتل القوات الأميركية بمساعدة الحكومة الكولومبية في معركتها ضد تجار المخدرات.

وقد استمرت العملية السرية ضد بوت على امتداد خمس سنوات، وانتهت عندما نجح عملاء الولايات المتحدة لمكافحة المخدرات المتنكرون في زي تجار كولومبيين في اجتذابه من موسكو إلى بانكوك. ووافق أندرو سموليان، وهو شريك بوت لمدة طويلة، على التعاون مع جهات التحقيق، وقدم أدلة تدين بوت.

واستند دفاع بوت بالكامل إلى الحجة القائلة بأن وعده لبيع الأسلحة لم يثبت في الواقع. بيد أن السلطات الروسية غالباً ما تستخدم التكتيكات نفسها لاصطياد المجرمين، حيث يعتبرها القانون الروسي جريمة يعاقب عليها القانون لاتخاذ الاستعدادات للجريمة، حتى لو لم يتم تنفيذ العمل النهائي.

ماضي بوت

لماذا يهبّ المسؤولون الروس، وهم الذين يطيعون أوامر رؤسائهم بوضوح، للدفاع عن بوت؟ يمكن العثور على جواب لهذا السؤال في ماضي بوت. فقد عمل مستشاراً عسكرياً في أنغولا في الفترة نفسها مع نائب رئيس الوزراء الروسي الحالي إيغور سيتشين، على الرغم من أنه لم يعترف أبداً بمعرفته له. ووطد المستشارون العسكريون السوفييت علاقات وثيقة مع جهاز الاستخبارات، وبعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، فقد كان من المحتمل أن تلك العلاقات هي التي مكّنت بوت من إنشاء شركة نقل خاصة تمتلك طائرات الشحن الثقيلة. واتسع نطاق أعماله من مبيعات الأسلحة تدريجياً، لتشمل العديد من مناطق العالم الملتهبة. وتخصص بوت في بيع الأسلحة إلى الدول الخاضعة لحظر الأمم المتحدة، وبالتالي فقد أصبح هو نفسه هدفاً لأن يُفرض عليه الحظر.

وربما لا نعرف بالضبط كيف تمكّن بوت من تأمين وبيع مثل هذه الكميات من الأسلحة خلال الحقبة السوفييتية السابقة. ولكن يمكننا أن نكون على يقين من أنه لا يوجد أي رجل أعمال يمكنه تحقيق كل ذلك دون مساعدة أصدقاء في مناصب رفيعة، وهم الذين كانوا شركاء في مبلغ 6 مليارات من الدولارات الأميركية التي يقدر المحققون بأنها كانت ثروة بوت. حتى أن حرباً موجهة بالسلاح بشكل أقل كان يستحيل شنها على هذا النحو في دول الكومنولث المستقلة، من دون مساعدة من كبار المسؤولين الحكوميين.

فإذا كانت هذه هي الحال، فإن المناشدات المستمرة من جانب روسيا، نيابة عن بوت، تعكس أكثر من مجرد الاستياء حيال معاملة واشنطن لضابط سوفييتي سابق، فضلاً عن مصالح أكثر قوة بكثير من السخط الرسمي لوزارة الخارجية.