نشهد حالياً التغييرات الأهم التي شهدها العالم لأكثر من قرنين، ونكاد لا نكون واعين لهذه الحقيقة في الغرب، وهنا تكمُن المشكلة. فالتوقعات الأخيرة لمجلة «إيكونومست» تشير إلى أن الصين ستتغلب على أميركا في عام 2018. فلماذا الإصرار إذاً على العيش في الماضي بدلًا من الحاضر؟
إن هيمنة أوروبا على العالم، ومن ثم أميركا على امتداد القرنين الماضيين، أدى إلى بروز عقلية متمحورة حول الغرب، باعتباره منبع كل حكمة. وشكّل الغرب وفقاً لذلك المثال العالمي الذي يفترض بالجميع أن يتبناه من أجل النجاح.
والصين فعلًا بطرق عديدة ليست كالغرب، ليست في الأساس دولة قومية، بل دولة حضارة. ولهذا يشدد الصينيون على الوحدة والاستقرار، ويبجلون الدولة، ويتبنون أفكاراً مثل «دولة واحدة بنظامي» في هونغ كونغ، فالدولة بالنسبة للصينيين تشكّل تجسيداً لحضارتهم.
وماذا يعني أن تكون الصين دولة الحضارة؟ يعني أنه كما كان ينبغي لكل دولة غير غربية فَهْم الغرب بناء على شروطه خلال القرنين التاسع عشر والعشرين، فقد حان دور الدول الغربية الآن لفهم كُنْه بلاد مختلفة إلى حد بعيد عنها.
وهذا سيكون عملًا جباراً، حيث إننا في الغرب نكاد لا ننظر إلى الشرق. وأخيراً، فإن طرد عضو المكتب السياسي في الحزب الشيوعي الصيني بو زيلاي أبرز المنافسين على أحد المناصب العليا في الصين، لم يلقَ إلا اهتماماً محدوداً في الغرب، على الرغم من أن هذا الحدث يُعَد الأهم من نوعه منذ أكثر من عقدين من الزمن، ويمكن التوصل إلى الاستنتاج نفسه عند مقارنة الاهتمام الذي كرسته الصحافة البريطانية إلى الانتخابات التمهيدية للحزب الجمهوري، مقابل الاهتمام الذي أعطي للصين، تمهيداً لعقد مؤتمر الحزب الشيوعي في نوفمبر المقبل.
وكان النمو الاقتصادي الهائل للصين قد بدأ في عام 1978، لكن بما أن اقتصاد الصين كان يمثّل مجرد جزء من عشرين جزءاً من الاقتصاد الأميركي، فإن التأثير الدولي لهذا النمو كان محدوداً جداً. لكن بعد أكثر من عقدين من النمو برقم مزدوج، ومضاهاة الاقتصاد الصيني لحوالي ربع حجم الاقتصاد الأميركي، فإن أهمية ذلك على العالم أصبحت تحتل ترتيباً مختلفاً كلياً. لم تعد القصة تتعلق بالصين فقط، لأنه بدءاً من ذلك التاريخ فإن صعود الصين بدأ يتسبب في تحويل العالم. لكن الغرب لم يبدأ في الانتباه لتأثيرات ذلك إلا بعد الأزمة المالية عام 2008.
والتحدث عن أزمة مالية عالمية يمثّل خطأً في التسمية، تبدد أوهامها القيام بزيارة إلى بكين. فالغرب يغرق في التقشف والركود، في حين أن الصين تجتاحها موجة استثنائية من التفاؤل. وما زال الاقتصاد الصيني يحقق نسب نمو 9-10% في السنة. ولهذا السبب سيتغلب على أميركا بصورة أبكر بحوالي عقد من الزمن تقريباً مما كان متوقعاً.
وقد أذن عام 2008 بحقبة جديدة، هي بداية النظام الاقتصادي الدولي للصين. وكانت أميركا حتى عهد قريب تشكّل العولمة إلى حد بعيد، لكن الصين باتت تتولى هذا الدور بشكل متزايد، وأكثر التعبيرات الدراماتيكية لهذا الحدث يتمثل في التجارة.
فقريباً ستصبح الصين أكبر دولة في العالم، من حيث التجارة، وهي تستورد كميات هائلة من الموارد الطبيعية، وتصدر كميات هائلة من السلع التصنيعية. وفي 2011 تغلبت على أميركا كأكبر منتج في العالم للسلع الصناعية، وهذا المنصب كانت تحتله أميركا على امتداد 110 أعوام. وبحلول 2010، توسعت قائمة الدول التي تُعَد الصين شريكتها التجارية الرئيسة لتشمل اليابان وجنوب إفريقيا وأستراليا وتشيلي والبرازيل والهند وباكستان وأميركا ومصر.
وتبرز الصين بسرعة كقوة مالية هائلة. وفي عامي 2009 و2010، أقرض كل من «مصرف التنمية الصيني» و«بنك اكسيم الصيني»، العالم النامي مالًا أكثر مما فعل البنك الدولي. وفي نهاية 2008، بدأت الصين في صنع عملتها الرامنبي، وهي عملة كان يجري تداولها في الصين فقط، لكن مصرف «إتش إس بي سي» توقّع أن يجري سداد نصف تجارة الصين مع العالم النامي، والتي تمثل أكثر من نصف التجارة الإجمالية للصين، بعملة الرامنبي بحلول 2013-2015، وهذه تُعَد المرحلة الأولى في مسار يجري فيه إحلال هذه العملة محل الدولار، باعتبارها العملة الأولى في العالم.
إن مركز الجاذبية للاقتصاد العالمي يتحول بشكل ثابت من العالم المتطور إلى العالم النامي. والصين هي اللاعب الأساسي فيه، والنتيجة ستكون تراجعاً سريعاً في نفوذ العالم المتطور، وإعادة تشكيل كل المؤسسات الدولية، لا سيما صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
لكن الصين التي تنمو بنسبة 10% في السنة تولِّد باستمرار مشكلات هائلة تتطلب إيجاد حلول لها، لكنها لا تعيد صنع نفسها بسرعة استثنائية، بل أيضاً تعيد صنع العالم. وتشبه بكين اليوم لندن في عام 1850، أو واشنطن في عام 1950، لكن على مستوى ملحمي. وتُعَد أكثر المدن إثارة للاهتمام في العالم.
وبعيداً عن الصورة الغربية عن الصين بكونها خالية من السجالات، فإن بكين تُخفق بها بشكل إيجابي، وهي منفتحة بشكل استثنائي من دون حدود. وما إن تصبح دولة عظمى فإنها ستشكل مستقبل سياساتها وأولوياتها، وسياسة العالم وأولوياته أيضاً.
إن الصينيين ما زالوا مشغولين بالعمق بالمشكلات الجبارة التي تواجه دولتهم، فالبلاد ما زالت فقيرة ونامية بتعداد سكان يبلغ 1.3 مليار نسمة، وحيث التفاوت الاجتماعي في ارتفاع حاد، والاستيلاء على الأراضي يشكّل تهديداً مستمراً للاستقرار الاجتماعي، والفساد المعمم يطيح بالإحساس بالعدالة، والصينيون الذين يمتلكهم نوع من الثقة الداخلية والخبرة التي تأتي من كونهم ورثة حضارة عظيمة، ليس لديهم أوهام حيال ما حققوه، والمهام الملقاة أمامهم.
