أظهر قرار إقصاء عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي الصيني، بو زيلاي، من منصبه الذي أثار كثيراً من الجدل، أن الرئيس المتوقع مستقبلًا للصين شي جينبينغ، إلى جانب أعضاء من قادة هذا الحزب، ماضون قُدماً في إجراء خطوة إصلاحية بطريقة براغماتية، ولن يعاودوا الحنين إلى الفترة الماوية أو لشعبوية عبادة الشخصية.
ولقد أشار البعض إلى أن هذا الإقصاء الاستثنائي لبو زيلاي، عضو المكتب السياسي ورئيس الحزب في مدينة تشونغكينغ، يعد دليلًا على أن انتقال السلطة في الصين يواجه مصاعب، لكن على النقيض تماماً، فإن هذا الأمر يظهر أن المسار قد نضج ويعمل وفقاً للمطلوب منه.
ويمثل نائب الرئيس الصيني الحالي شي جينبينغ، والمتوقع الموافقة على توليه منصب الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني في الخريف المقبل، وبعده منصب رئيس الصين في شهر مارس الذي يليه، الزعيم الأول غير المختار بشكل قاطع من قِبَل قادة الصين السابقين. وبدلًا من ذلك، فقد تم اختياره عبْر اقتراع أوسع نطاقاً لمسؤولين في الحزب الشيوعي الصيني. والمسار لم يكن شفافاً ولا مبهماً، إلا أنه شكّل خطوة متقدمة كبيرة في مسيرة الصين الطويلة نحو «الديمقراطية داخل الحزب».
ولا يُعتبر النظام في الصين دكتاتورياً، بل يُعد نظام حكم الأقلية، وفي نهاية المطاف، لن يتولى الرئيس المقبل شي جينبينغ السلطة بشكل فردي، بل جماعي مع اللجنة الدائمة للمكتب السياسي في الحزب الشيوعي الصيني، التي تضم حالياً تسعة أعضاء. والكل في الصين يقدِّم تقاريره إلى واحد من الأعضاء التسعة. وسيكون شي الأول من شخصين متساويين، وسيبقى هؤلاء الأعضاء التسعة متساوين، وستشكل تركيبتهم النهائية طبيعة السياسات الصينية.
وهذا يفسر التركيز الكثيف على موضوع إقصاء بو زيلاي، لأنه تم افتراض أنه سيصبح عضواً في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي، خلال عملية تعديل القيادة العليا التي تجري مرة كل عقد من الزمن. وقد بنى الداهية بو زيلاي اسماً لنفسه على الصعيد الإعلامي، من خلال تطوير ما يسمى «نموذج تشونغكينغ»، وهو عبارة عن مزيج شعبوي يساري لدولة قوية، بأناشيد ماوية «أغانٍ حمراء»، وحملة ضد الجريمة، ومساواة تسبق الإنتاجية، وإعادة توزيع للثروات.
ولم يكن الأمر أبداً بهذه السهولة، وحتى لو وصل بو إلى ذروة شعبيته، فإنه لن يُصنَّف ضمن المراتب نصف العليا للجنة الدائمة للمكتب السياسي.
بالإضافة إلى ذلك، فإن بعضاً من مؤيديه المزعومين لم يشاركوه وجهات نظره التي تتسم باليسارية بعض الشيء، وسياسات النخبة في الصين ليست سهلة ببُعْد واحد، فهي مجرد مناورات لتيارات متنافسة. وتتمحور الولاءات حول العلاقات الشخصية إلى جانب الفلسفات السياسية، والتحالفات تشتد حدة وتضعف حول قضايا معينة.
وقد تولى جميع الأعضاء التسعة في اللجنة الدائمة للمكتب السياسي إدارة مناطق جغرافية كبيرة ووزارات، وستة أو سبعة منهم ترأسوا على الأقل مقاطعتين أو بلديات رئيسة، بصفتهم رؤساء ممثلين للحزب فيها أو حكام. وبالتالي، جميعهم عملوا مع المديرين التنفيذيين للشركات الغربية أو غيرهم من الزعماء الأجانب المتمرسين.
وشي جينبينغ تماماً مثل زملائه، لا يميل للتغيير الجذري، وليس مصادفة بعد جلبة بو زيلاي، أن يدعو المسؤولين إلى «الطهارة»، ويعاتب رفاقاً كباراً، طالباً منهم عدم «السعي إلى الشهرة والثورة». وقد كتب قائلًا: «إن قرارات مهمة يفترض اتخاذ إجراء بشأنها وفقاً للحكمة الجماعية والإجراءات صارمة».
على امتداد 25 سنة خدم جينبينغ وسط الأوساط الشعبية في الصين، وعمل في كل المستويات الحكومية، في القرية والبلدة والمدينة والمقاطعة. ولقد قاد ثلاث مناطق ديناميكية وهي، فوجيان وزيجيانغ وشنغهاي، وتمثل من ناحية السكان والنشاط الاقتصادي والتركيبة الاجتماعية المعقدة ما يوازي ثلاث دول أوروبية.
ويختلف جيبينغ عن زملائه بمعاناته في شبابه، فوالده البطل الثوري تم طرده وإذلاله من قِبَل ماو تسي تونغ لمدة 16 سنة، ونتيجة لذلك، نقل شي المراهق إلى قرية جبلية بعيدة فقيرة، حيث أمضى ست سنوات يعمل في تقطيع القش وحصد القمح ورعْي الأغنام، وعاش في بيت أشبه بالمغارة.
