تبدو الصناعة التحويلية في أميركا في حالة جيدة، على الرغم من كل الكلام عن كيفية تحول أميركا إلى اقتصاد خدماتي، وبروز الصين كقوة اقتصادية، فقد أظهر قطاع الصناعة التحويلية في الولايات المتحدة مرونة مدهشة، وذلك بالنظر إلى المكاسب المؤثرة في مجال الإنتاجية والميزة التكنولوجية العالية لأميركا. وبموازاة نمو اقتصادي إجمالي للدولة بنسبة 1.7% فقط، حقق الإنتاج الصناعي الأميركي في قطاع الصناعات التحويلية نموا فاق ثلاثة أضعاف إجمالي النمو الاقتصادي تقريبا، حيث ازداد بنسبة 4.7%.

لكن هناك تفاحة فاسدة يمكن ان تفسد الصندوق بكامله. ففي السنوات الأخيرة، أصبحت أميركا معتمدة بشكل خطير على واردات المواد الخام لإبقاء اقتصادها نشطا. والصناعيون الأميركيون أصبحوا معتمدين بنسبة تزيد عن 40% على واردات عدد كبير من السلع ومعادن الأرض النادرة. على سبيل المثال، وصل اعتماد أميركا على واردات معدن غليوم إلى 94%، والكوبالت وتيتانيوم 81%، وكروميوم 56% وسيليكون 44% والنيكل 43%. وهذه المعادن تعد حساسة لتكنولوجيا الأسلحة والطاقة وكثير من المنتجات الاستهلاكية عالية التكنولوجيا.

ولنأخذ على سبيل المثال معدن النيكل المطلوب في صناعة الفولاذ وبطاريات التخزين الكهربائية وغيرها، إذ لا يوجد إلا منجم واحد لإنتاجه في أميركا، وذلك في ولاية أوريغون. والآن، وبفضل استثمار لشركة ريو تنتو، فانه من المتوقع فتح منجم إيجل للنيكل في ميتشغان عام 2014، بإنتاج يصل إلى 16 الف طن من النيكل و10 الف طن من النحاس. ويعد استثمار ريو تنتو خطوة واعدة ومهمة نحو تحقيق أمن المعادن للصناعيين الأميركيين.

لكن أميركا تعتمد بشكل كبير أيضا على الدول الأجنبية للحصول على 19 معدنا، وبصورة خاصة معادن الأرض النادرة، التي تعد معادن أساسية في تصنيع محركات الطائرات الحربية النفاثة، والمنظومات المضادة للصواريخ، ونظارات الرؤية الليلية، والقنابل الذكية، بما في ذلك منظومات عسكرية متطورة أخرى. ولهذه المعادن تطبيقات كثيرة عالية التكنولوجيا أيضا، مثل الحواسيب والأجهزة الخليوية، عدا عن كونها أساسية في تكرير النفط، ومحولات عوادم السيارات، والتوربينات العاملة على الرياح والسيارات الكهربائية. ولحسن الحظ، فان منجما لمعادن الأرض النادرة في كاليفورنيا ينتج الآن بعضا من هذه المعادن. لكنه بمفرده لا يستطيع ان يلبي الطلب المتزايد بسرعة على هذه المعادن.

 

لغز سياسي

وهذا الاتكال على الخارج يمثل لغزا لواضعي السياسات، لأنه على عكس كارتل الدول المصدرة للنفط أوبك الذي يتألف من 12 دولة، فان الإنتاج الخارجي من معادن الأرض النادرة مركز تقريبا في دولة واحدة تمتاز بطلب صناعي متزايد، وهي الصين.

والنفوذ الصيني على السوق العالمي لمعادن الأرض النادرة أثار توتر عدد من جيران الصين وشركائها في التجارة، والصناعيين الأميركيون قلقون على نحو يمكن تفهمه، حيال تعطل الإمدادات كما حدث عام 2007 عندما أوقفت الصين شحناتها من معادن الأرض النادرة إلى شركة تكرير البترول الأميركية لفترة طويلة مما أدى إلى مخاوف من احتمال ان يؤدي الانقطاع إلى نقص البنزين في أميركا.

والصناعة الأميركية تدفع ثمنا كبيرا للموقف الصيني شبه الاحتكاري على كثير من الموارد الحساسة، ولقد ازدادت التكلفة بشكل حاد منذ سنتين بعد قيام الصين بتخفيض حصصها التصديرية من المعادن. على سبيل المثال، فان سعر لانثانيوم أوكسيد وهو معدن يستخدم في تكرير البترول ازداد من 5 دولارات للكيلوغرام الواحد في أوائل 2010 إلى 140 دولار في يونيو 2011. ومثل هذه القوة السوقية، إذا لم يجر التعامل معها بصورة عاجلة وفعالة، فإن بإمكانها ان تضر بالاقتصاد والأمن القومي الأميركيين.

 ولضمان إمكانية الوصول إلى المعادن الحساسة على نحو مضمون، فان الحكومة الأميركية تحتاج إلى تعديل سياساتها المحلية، بشكل يخولها الاعتماد على ذاتها بصورة اكبر ويمنع تصدير الإنتاج والوظائف إلى الخارج. ويمكن إنتاج سلع ومعادن ارض نادرة بكميات اكبر في أميركا لولا إجراءات الأذونات البطيئة. وفي الواقع، يستغرق الحصول على رخصة تعدين في أميركا حاليا ما بين 5 إلى 10 سنوات. وتجدر الإشارة إلى ان أميركا تحوي 13% تقريبا من احتياطي معادن الأرض النادرة.

 

اكتفاء ذاتي

 

تشير التقديرات إلى ان موجودات معادن الأرض النادرة في أميركا الشمالية يمكنها إنتاج أكثر من ضعف ما تقوم الصناعات الأميركية باستخدامه منها حاليا، كما أنها كافية للوصول إلى اكتفاء ذاتي من هذه المعادن، حتى مع استمرار نمو الطلب عليها. ومن خلال التحكم بكثير من إنتاج معادن الأرض النادرة، تتمكن الصين من وضع الصناعات الأميركية في وضع غير مؤات. وبشكل يمكن توقعه، أجبر هذا الأمر عدد من الصناعيين الأميركيين الذين يعتمدون بشكل كبير على معادن الأرض النادرة إلى نقل عملياتهم إلى الصين، موجهين الإنتاج والوظائف إلى الخارج.

وهناك في الواقع علاج سهل جدا متاح يخفض بشكل فعال اعتماد أميركا على واردات معادن الأرض النادرة، ويتعين على أميركا تسهيل إجراءات الأذونات، وذلك في سبيل تحقيق هدفين مزدوجين يتمثلان في تقليص أثر التعدين على البيئة، وفي الوقت نفسه تلبية حاجات الدولة العسكرية والتصنيعية المتطورة.

وبإمكان الكونغرس المساعدة في مباشرة هذا المسار بالموافقة على تشريع لتحفيز الاستثمار في موارد معادن الأرض الوفيرة في الدولة.