في عام 2009، كشفت وثيقة لموقع "ويكيليكس"، أرسلها دونالد لو، نائب رئيس البعثة الدبلوماسية في السفارة الأميركية بالعاصمة الأذرية باكو إلى وزارة الخارجية الأميركية بعنوان "تعايش أذربيجان السري مع إسرائيل"، وصف الرئيس الأذري إلهام علييف لعلاقة بلاده بالدولة العبرية بأنها بمثابة جبل من الجليد " تسعة أعشاره مغمور تحت الماء".

لكن لماذا تعتبر هذه الوثيقة هامة؟ السبب هو أن أذربيجان بموقعها الاستراتيجي توجد على الحدود الشمالية لدول إقليمية بالمنطقة. ووفقاً لعدة مصادر رفيعة المستوى فإن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تعتقد الآن أن الجانب "المغمور" للتحالف الإسرائيلي - الأذري، أي التعاون الأمني بين الطرفين، يزيد من مخاطر استهداف إسرائيل لإحدى هذه الدول.

 

حق الوصول

فعلى وجه الخصوص، يقول أربعة دبلوماسيين بارزين وضباط استخبارات أميركيين إن الولايات المتحدة خلصت إلى أن إسرائيل حصلت على حق الوصول إلى قواعد جوية موجودة على الحدود الشمالية لقوى إقليمية. أما مسألة ما ستقوم به إسرائيل بالضبط، فهو أمر غير واضح.

ويشعر مسؤولو استخبارات أميركيون بقلق بالغ من أن يؤدي توسع اسرائيل العسكري في أذربيجان إلى تعقيد جهود الولايات المتحدة لتهدئة التوتر بين قوى إقليمية وإسرائيل، وبالتالي فقد بات يتعين عليهم الآن أن يضعوا خططا ليس لسيناريو حرب يشمل المنطقة، وانما لسيناريو يضمّ كذلك منطقة القوقاز. وخلال زيارة قام بها وزير الدفاع الأذري، أخيراً، إلى المنطقة نفى استخدام أذربيجان لشنّ هجوم ضد بعض دول المنطقة. وقال: "إن جمهورية أذربيجان، كعهدها في الماضي، لن تسمح أبداً باستغلال أراضيها أو مجالها الجوي ضد قوة إقليمية نعتبرها صديقة و شقيقة".

ولكن حتى لو كان وعد المسؤول الأذري جيداً، إلا أن ذلك لا يعني أن بلاده لا تمدّ اسرائيل بالدعم اللازم. فقد أشار ضابط استخبارات عسكرية أميركي إلى أن وزير الدفاع الأذري لن يمنع صراحة الطيارين الإسرائيليين من الهبوط على أراضي بلاده بعد شنّ غارات جوية. كما لم ينفِ تثبيت وحدات البحث و الإنقاذ داخل الأراضي الأذرية.

والحصول على حقوق الهبوط ونشر تلك الوحدات بالقرب من دول إقليمية سوف يجعل قصف هذه الدول أكثر سهولة. يقول ضابط استخبارات أميركي مشارك في تقييم التداعيات الخاصة باحتمالية شن حرب إسرائيلية: "إننا نتابع عن كثب ما تقوم به هذه القوى. لكننا نراقب الآن ما تقوم به اسرائيل في أذربيجان. ونحن لسنا راضين عن ذلك".

علاقة موطدة

لقد تم توطيد العلاقة القوية التي تربط اسرائيل بحكومة باكو في شهر فبراير الماضي بفضل اتفاقية السلاح التي تقدر قيمتها بـ 1.6 مليار دولار، والتي تتيح لأذربيجان التزود بطائرات متطورة موجّهة عن بعد ونظم دفاع صاروخية.

وفي الوقت نفسه، فقد شهدت العلاقات بين باكو وقوى إقليمية توتراً على خلفية اتهامات لأذربيجان بالتورط في عمليات اغتيالات لعلماء نوويين، وهو ما وصفته باكو بأنه "افتراء". وفي شهر فبراير الماضي، دعا عضو في حزب "ياني أذربدزان" الحاكم في أذربيجان الحكومة إلى تغيير اسم البلاد إلى شمال أذربيجان، في إشارة ضمنية إلى أن الـ 16 مليون أذري الذين يعيشون في جنوب أذربيجان بحاجة إلى التحرر.

وفي شهر مارس الماضي، أعلنت باكو أنها ألقت القبض على 22 شخصاً بتهمة التجسس لصالح دولة أخرى، و هي التهمة التي تتضمن "تنفيذ أعمال إرهابية على سفارات الولايات المتحدة و إسرائيل و دول غربية أخرى. إذن أصبح واضحا السبب الذي يكافئ من أجله الإسرائيليون علاقاتهم مع أذربيجان.

فالجيش الأذري يمتلك أربعة قواعد جوية تعود للحقبة السوفيتية، ويحتمل أن يتم تسخيرها للإسرائيليين، فضلا عن أربع قواعد أخرى خاصة بالطائرات التابعة لسلاح الجو الأذري، وفقاً لما ذكره تقرير صادر في عام 2011 عن المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.

ويؤكد دبلوماسيون ورجال استخبارات أميركيون أن إسرائيل استطاعت الوصول لتلك القواعد من خلال سلسلة من التفاهمات العسكرية والسياسية الهادئة". وأضاف أحد كبار الدبلوماسيين الأميركيين المتقاعدين بالقول: "أشك في أن هناك شيئاً مكتوباً بهذا الخصوص. لكنني لا أعتقد أن هناك أدنى شك في أنه إذا أرادت الطائرات الإسرائيلية الهبوط في أذربيجان بعد شن غارات جوية، فمن المحتمل أن يسمح لهم بذلك. فإسرائيل متأصلة بشكل موغل في أذربيجان، و هي متواجدة هناك منذ العقدين الأخيرين". أسطول متواضع

 

إن استخدام إسرائيل للقواعد الجوية في أذربيجان سيضمن عدم اعتمادها على أسطولها المتواضع من طائرات إعادة التزود بالوقود، أو ما تمتلكه من خبرات في هذا الشأن، والتي وصفها ضابط استخبارات بارز في الجيش الأميركي بأنها "ضئيلة جدا".

وحتى إن لم تتمكن الطائرات الاسرائيلية من الهبوط في أذربيجان، فان مجرد الوصول الى القواعد الجوية الأذرية يقدم عدداّ من المزايا لقوات الجيش الإسرائيلي، إذ أنه وفقاُ لما ذكره أحد كبار ضباط الاستخبارات العسكرية، فان القواعد لا تمتلك منشآت توفر الخدمات للقاذفات المقاتلة فحسب، بل إن إسرائيل ستتمكن من وضع وحدات مروحية للإنقاذ هناك في الأيام التي تسبق الهجوم للقيام بمهام بحث وإنقاذ. لقد حرصت إسرائيل على تحسين علاقاتها مع باكو منذ العام 1994، حيث بدأ مسؤولو الاستخبارات الأميركية التعامل بجدية مع تقرّب إسرائيل من أذربيجان في العام 2001.