متى سيثور الفلسطينيون؟ الإجابة عن هذا السؤال، وفقاً لمسؤول إسرائيلي، هي أن الانتفاضة الثالثة لن تكون هذا العام. فقد خلص تقرير من داخل وزارة الخارجية الإسرائيلية، أخيراً، إلى أن حدوث انتفاضة فلسطينية جديدة "من غير المرجح" هذا العام. ووفقاً لمسؤول لم يذكر اسمه، فإن "هذا التقرير، الذي يقع في أكثر من 100 صفحة، يشير إلى أن تفجر العنف العام في شكل انتفاضة ثالثة هو أمر غير محتمل".

وبدلاً من ذلك، فقد استقر الأمر على أن الفلسطينيين "سيواصلون اغتنام كل الفرص لعزل اسرائيل عن الساحة الدولية". بعد ستة عقود من الاحتلال، لم يدرك القائمون على الاستراتيجية في الحكومة الإسرائيلية حتى الآن أن الشعب الفلسطيني ليس هيئة شخصية من الأتباع العميان الذي يمكن التلاعب بهم والسيطرة عليهم بسهولة.

يفسر هذا التصور الإسرائيلي الخاطئ الأساسيات نفسها للخطاب السياسي في إسرائيل وسياساتها المترتبة على ذلك تجاه الفلسطينيين. والتصريح الشهير الذي أدلى به رئيس الوزراء الاسرائيلي السابق أرييل شارون في مارس من عام 2002 يدل على هذه الرؤية الاسرائيلية الرسمية الضيقة تجاه العدو، حيث قال: "يجب ضرب الفلسطينيين، و يجب أن يكون ذلك مؤلماً للغاية. علينا أن نلحق بهم الخسائر و نوقع بينهم الضحايا، حتى يشعروا بالثمن الثقيل".

على الرغم من ظاهرة التقارير الرسمية الاسرائيلية التي تحاول التنبؤ برد الفعل الفلسطيني، وبالتالي اتخاذ خطوات استباقية، فإن هذا التمرد ليس أمراً جديداً، حيث يعتبر التقرير الأخير غريباً للغاية. من الصعب تخيل كيف يمكن لمثل هذا التفكير غير المنطقي وغير التاريخي أن يسمح لإسرائيل بالكثير من الهيمنة على الخطاب السياسي للصراع.

لا تتم الأحداث الشعبية بشكل حقيقي في تاريخ البشرية بتحريض من السياسيين أو الأنظمة أو الفصائل. الكلمة الأساسية هنا هي "حقيقية". فالقادة الاسرائيليون يصفون صراعهم مع الفلسطينيين باستخدام مصطلحات كبرى مع تصنيف عرقي بلا حرج. ففي خطابه الذي ألقاه أمام الجلسة السادسة و الستين للجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، تحدث رئيس الوزراء الاسرائيلي نتنياهو "نيابة عن اسرائيل والشعب اليهودي"، في الوقت الذي كان يمد يده إلى "شعوب شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية".

هذا هو ما كان يتعين عليه أن يطرحه لتبرير عملية الاستيلاء غير القانوني على المستوطنات، و الاحتلال المستمر للقدس الشرقية، حيث قال: "اليهود في اسبانيا عشية طردهم، و اليهود في أوكرانيا الفارين من المذابح، و اليهود الذين كانوا يقاتلون غيتو وارسو، حينما كان النازيون يحاصرونها. إنهم لم يتوقفوا أبداً عن الصلاة، ولم يتوقفوا أبداً عن الاشتياق لإسرائيل. وكانوا يهمسون بالقول: العام المقبل في القدس. العام المقبل على أرض الميعاد".

قد يكون مثل هذا السرد الانتقائي تم تقليصه باعتباره عاطفي بشكل عمدي، وتعظيم الذات هو أمر متوقع إلى حدّ ما من جانب دولة أقيمت وتواصل العمل على قاعدة من التفوق العرقي المفترض. لكن هناك المزيد بالنسبة للسرد الإسرائيلي أكثر من العبارات البارعة واستغلال التاريخ. فقد سمحت مسألة تصوير إسرائيل لنفسها على أنها "الدولة اليهودية" لاستكشاف هويات الآخرين من حيث التجمعات كذلك. "الفلسطينيين" أو "العرب" يواصلون التحرك لتعزيز مزيد من المزاعم الإسرائيلية. هذه الطريقة السهلة في إدارة جماعات و شعوب و تجمعات شاسعة ليست خطيرة على المستوى الفكري فحسب، لكن لها خطورة سياسياً وعسكرياً أيضاً.

وقال الرئيس الاسرائيلي الأسبق موشيه كاتساف في تصريح عنصري عن الفلسطينيين: " هناك فجوة كبيرة بين اليهود و أعدائهم، ليس فقط في القدرة، ولكن في حرمة الحياة و التباين الثقافي والضمير. فهم جيراننا هنا، ولكن يبدو كما لو كانوا على مسافة بضع مئات من الأمتار، إنهم أناس لا ينتمون إلى عالمنا، ولكنهم في الواقع ينتمون إلى عالم مختلف".

ربما يكون هذا تحولاً من إنكار غولدا مائير كلية لوجود الفلسطينيين، أو من جانب قادة صهاينة آخرين يصورون الفلسطينيين على أنهم حيوانات و وحوش و صراصير. وإنما هي أيضاً شكل أكثر تقدماً و وعياً من التجريد من الإنسانية. فالفلسطينيون هنا هم أساساً "بشر"، إلا أنهم محرومون من أدنى أشكال الإنسانية، وتتم إثارة غضبهم بشكل مؤقت، ليتم تدميرهم تماماً. والأسوأ من ذلك، أنهم مثل الغرباء من كون آخر.

ضمن حدود هذا المنطق، فإن كل ما هو مرفوض بموجب الأخلاق والقانون أو القيم، يصبح أمراً جيداً و متوقعاً و مقبولاً على نحو فعال، بدءاً من التطهير العرقي الذي تم في عامي 1947- 1948 إلى الحرب على غزة في عامي 2008-09، واستمرار حصار الدولة، و ما يسمى بجدار الفصل العنصري، وممارسات العنف اليومية على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي، و عمليات السجن غير القانونية و التعسفية، والتعذيب والإذلال والتمييز.

يمكن أن تكون الروايات الكبرى ملاءمة، وبمثابة احتيال سهل لتشكيل تحالفات وتشويه صورة الأعداء. ويكمن الخطر الأكبر لهذه الروايات في حقيقة أنها ليس لها أية حدود. ففي حالة إسرائيل، فقد أساءت إلى هذا الخطاب فيما يتعلق بالصراع مع الفلسطينيين إلى حد أن السرد الكاذب تحدد الآن التيار الرئيسي نفسه للمجتمع، ليس فقط في إسرائيل، ولكن أيضاً في الولايات المتحدة وأجزاء أخرى من العالم.

 

تأكيد الولاء

 

عندما أعلن المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركية نيوت غينغريتش في شهر ديسمبر الماضي أن الفلسطينيين هم شعب "مختلق"، فقد كان يعيد التأكيد على ولائه لمؤيديه المساندين لإسرائيل مالياً، الذين كانوا يتطلبون إعادة صياغة منتظمة للتأكيدات الإسرائيلية. لكن ذلك يصبح غريباً بشكل أكبر عندما ينظر المرء إلى التبعات السياسية لهذه اللغة. موقف غينغريتش "يمكن أن يعتبر أنه يضعه على النقيض مع سعي الولايات المتحدة للتوصل إلى حل الدولتين في الشرق الأوسط".