يشير الانقلاب الذي وقع على يد ضباط الجيش ذوي الرتب الوسطى في مالي، أخيراً، إلى تراجع سياسي كبير بالنسبة للسنوات المقبلة. ووفقاً لتقارير صحافية عديدة، فقد بدأ الانقلاب كحركة تمرد من قبل جنود سكارى في ثكنات القاطي في ضواحي باماكو للمطالبة بالحصول على مزيد من الأسلحة والموارد لمحاربة تمرد الطوارق في الشمال.
وشعروا بأنه لا الرئيس المالي أمادو توماني توريه ولا وزير الدفاع ساديو غاساما يدعمانهم. ومنذ شهر يناير الماضي، لقي الجيش المالي هزيمة على أيدي متمردي الطوارق وأجبر على الانسحاب من ثماني مدن في شمال مالي. وجاء ظهور الكابتن أمادو سانوغو بمثابة دهشة حتى بالنسبة للانقلابيين أنفسهم حيث إنهم أعلنوا أنهم يملكون السلطة ويحتاجون إلى الوقت للتفكير فيما يجب القيام به باستخدامها.
إدانة جماعية
لقد دانت دول العالم بالإجماع على الفور الانقلاب، ودعت إلى العودة الفورية للبلاد إلى الحكومة الدستوريهة والمنتخبة ديمقراطيا للرئيس توريه. فالانقلاب الذي يأتي قبل شهر واحد من الانتخابات الرئاسية لا يعد تعسفياً فحسب، بل إنه يناقض قيم ومعايير ومبادئ الحكم المقبولة لدى شعوب غرب أفريقيا، على النحو المنصوص عليه وفقا لروح ونص البروتوكول الإضافي للمجتمع الاقتصادي لدول غرب افريقيا في شأن الحكم الرشيد والديمقراطية. إنه تحايل على الإرادة الجماعية وسيادة شعب مالي. هناك بالفعل ثلاثة وثمانون حزباً سياسياً أنشأوا جبهة سياسية معارضة للانقلابيين. كذلك يبدو أن كبار ضباط الجيش يعارضون الانقلاب.
على مدى العقدين الماضيين، اتسم المشهد الأمني في مالي بقطع الطرق في المناطق الحضرية، فضلاً عن الصراعات المحلية والدينية. وبالإضافة إلى ذلك، شهدت البلاد تمرد الطوارق في الشمال بين عامي 1990 و 1996، والتمرد الجديد الذي بدأ في يناير الماضي.
وبالإضافة إلى ذلك، فإن العمليات الإجرامية عبر الحدود على أيدي عصابات تهريب المخدرات والسجائر والأسلحة ووجود إرهابيين ينتمون إلى تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي يجعل من هذا البلد واحداً من أكثر الدول افتقارا للأمن في إفريقيا.
جوهر المشكلات
تعتبر مالي بلداً كبيراً حيث تبلغ مساحته مليونا و 241 ألفا و 328 كيلومترا مربعا، وله حدود بامتداد 7240 كيلومترا مع سبع دول هي الجزائر والنيجر وبوركينا فاسو ساحل العاج وغينيا والسنغال وموريتانيا.
ويكمن جوهر المشكلات التي تطرحها الأحداث في شمال مالي في أن السيادة الوطنية للبلاد تجابه تحدياً، وسلطة الدولة غائبة في جزء كبير من أراضيها. تنطوي هذه المشكلة على بعد شبه إقليمي في الوقت الذي تجابه الدول المجاورة تحديات مماثلة. ففي عام 1970، دعا الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي جميع الطوارق في مالي والنيجر للانتقال إلى ليبيا و العيش كمواطنين ليبيين، حيث قبل الكثير منهم العرض. انضم الجيل الأصغر سناً إلى الفيلق الإسلامي، وكانوا ناشطين في الجبهة الموحدة لحركة أزواد التي قاتلت من أجل الحكم الذاتي في شمال مالي.
وبعد ميثاق عام 1992، تم نزع السلاح من المنطقة. لكن لسوء الحظ، أصبح المقاتلون السابقون بمثابة هدف خصب للتجنيد بالنسبة لتجار المخدرات والإرهابيين. وأصبح السطو المسلح وأخذ الرهائن والاغتيالات يتم بشكل يومي. وأسهم غياب دور الدولة في توفير الخدمات الاجتماعية وارتفاع معدلات الفقر والبطالة بين الشباب والبطالة المقنعة في حدوث الظروف الاجتماعية الراهنة والتي أدت إلى هذا الوضع، والذي منح تنظيم القاعدة نطاقاً حراً في الجزء الشمالي من البلاد.
يستولي الكابتن أمادو سانوغو على السلطة في أوقات عصيبة. فالمتمردون الطوارق تزداد سطوتهم ويهددون بالاستيلاء على كيدال وقاو خلال الأيام المقبلة، وطلبوا منه منحهم حق تقرير المصير وإلا فسوف يواجه التبعات. كبار الضباط يعارضونه، وقام 38 حزباً سياسياً بتأسيس جبهة موحدة ضده.
وعلى الرغم من ذلك، فقد شكّل الكابتن سانوغو حركة الثاني والعشرين من مارس لحشد الدعم. ويشمل برنامجه إلحاق الهزيمة بمتمردي الطوارق. والواقع على الأرض هو أن مالي تتجه نحو تكثيف الصراع العنيف والحرب الأهلية الشاملة. و
السيناريو الأسوأ هو الانهيار التام لسلطة الدولة وانتشار العنف في شمال مالي. و يمكن أن يكون لذلك تأثير الدومينو في المنطقة الفرعية الممتدة إلى الجزائر وموريتانيا والنيجر. فالمنطقة الفرعية هي عبارة عن منطقة صحراوية كبيرة يصعب السيطرة عليها. فهي أرض مواتية للاتجار في الأسلحة والمخدرات .
وهي أيضاً غنية بصناعة البترول والغاز الطبيعي واليورانيوم والذهب والألماس والنحاس والفوسفات. والمساحات الشاسعة الخارجة عن سيطرة الدولة في هذه المنطقة هي مجال خصب للجماعات الإرهابية ويمكن أن يتوسع انتشارها بسرعة كبيرة. فعلى مدى العقدين الماضيين، اتسم المشهد الأمني في مالي بعمليات قطع الطرق في المناطق الحضرية.
والصراعات الدينية وفيما بين المجتمعات المحلية. وفي الظرف الحالي ومع النمو السريع في الاتجار بالمخدرات، وانتشار الأسلحة الصغيرة والخفيفة بعد عودة أعداد كبيرة من المقاتلين الليبيين من أصل مالي ونشاط جماعة الجهاد التابعة لتنظيم القاعدة في المغرب أكيم يجعل من مالي واحدة من بؤر الصراع الأكثر سخونة مع تزايد احتمال وإمكانية عدم الاستقرار.
