إن الحرب في أفغانستان، حيث العدو مراوغ ونادرا ما يرى بالعين المجردة، وحيث السخط الثقافي واللغوي يجعل كل رحلة خارج الأسلاك الشائكة زيارة إلى ارض معادية، وحيث يبدو واضحا أن أميركا تخسر الحرب على الرغم من كل الآلة العسكرية القاتلة تحت سيطرتها، كل هذه الأمور تغذي الثقافة الوحشية لدى الجنود الأميركيين. ويحول الخوف والضغط والغضب والكره كل الأفغانيين إلى أعداء، بما في ذلك النساء والأطفال والمسنين، وتصبح المسافة النفسية إلى الجريمة ليست بعيدة، فالقتل يحدث كل يوم في أفغانستان، يحدث بسبب ضربات الطائرات الموجهة عن بعد والقصف المدفعي والضربات الجوية والهجمات الصاروخية وغيرها من أشكال إطلاق النار. والهجمات العسكرية من هذه النوعية على المناطق المدنية تجعل النقاش حول حقوق الإنسان أمرا عبثيا. وروبرت بايلز الرقيب في الجيش الأميركي الذي ذكر أنه قتل 16 مدنيا في قريتين بما في ذلك تسعة أطفال، ليس خروجا عن القاعدة. ويعني الاحتجاج على المجزرة والدفاع عن حروب الاحتلال عدم ادراك معنى القتال، فالأميركيون يقتلون الأطفال تقريبا كل يوم في أفغانستان، ولا يقتلونهم في العادة خارج هيكلية الفرق العسكرية. لو قام جندي أميركي بقتل أو جرح مجموعة من المدنيين بعد تفجير قنبلة ضد قافلته على جانب الطريق، لما كانت هذه الأخبار تتصدر الصحف. فالفرق العسكرية لا تنتظر كي تحصي "أضرارها الجانبية"، لكن الأفغانيين يعلمون بما يجري، وهم يمقتون الجنود الأميركيين بسبب القتل ويكرهون أميركا بسبب نفاقها.

وحجم القتل الذي ترعاه الدولة مخفي عن الرأي العام، فالحرب ترى فقط من خلال عدسات المحتلين، ويجري الدفاع عنها باعتبارها فضيلة وطنية، لكن كل هذا مجرد كذب.