اتهم الرقيب في الجيش الأميركي روبرت بايلز بذبح 16 قرويا أفغانيا، بمن في ذلك تسعة أطفال ومن ثم إحراق بعض جثثهم، والمجزرة حصلت في قريتين في منطقة بنجاوي الريفية الجنوبية. وأفغانستان لن تقوم بدور في التحقيق في هذه الجريمة أو في جلب مرتكبيها إلى العدالة، على الرغم من أن هذه الجريمة الرهيبة استهدفت أفغانيين على تراب أفغاني، وهذا يعود لان أميركا قامت على الفور بنقل المتهم خارج أفغانستان.
واستبعاد الأفغان السريع عن مسار محاكمة مطلق النار فاقم من تنامي الغضب تجاه الأميركيين في تلك البلاد، وذلك بشكل متوقع ومفهوم جدا.
ومن الصعب تصور دولة يمكن أن يكون لها رد فعل مغاير في أعقاب حرمانها من القدرة على محاكمة مشتبه بهم في جرائم حصلت على ترابها. وسرعان ما عبر قائد من طالبان عن هذا الغضب الوطني معلنا: "نريد أن يحاكم هذا الجندي في أفغانستان، ويتعين على الأفغان محاكمته".
مهاجمون كثر
وترتكز مطالبة الأفغان في التحقيق بالفظائع في جانب منها إلى تقارير تفيد بأن بايلز لم يتصرف بمفرده، وكان مسؤولون عسكريون أميركيون قد أكدوا منذ البداية بأن يابلز كان الجاني الوحيد، في الوقت الذي أفاد شهود في القرى عن وجود مهاجمين كثر. وكثير من الأفغان لا يمكنهم فهم كيف أن هجوما واسعا بهذا الحجم، يمكن أن يكون مرتكبه مطلق نار واحد. باشا آغا من قرية بالاندي قال لوكالة أسوشيتد برس: "إذا قالت الحكومة إن هذا العمل تصرف رجل واحد، فلن نقبل بالأمر" وكان الرئيس الأفغاني قد اشعل الشكوك باتهامه على نحو فذ "قوات أميركية" بهذه الهجمات.
والشك في إمكانية تورط جنود أميركيين آخرين ليس بعيدا عن المنطق، على الرغم من أن هذه الشكوك تنقصها الإثباتات. وكان "فريق القتل" الأميركي سيئ الصيت الذي كان يعدم بشكل متعمد مواطنين أفغاناً أبرياء بشكل عشوائي على سبيل الترفيه، وغالبا من المراهقين، ويزرع أسلحة في أجسادهم ومن ثم يقف لالتقاط صور مع جثثهم بوصفها جوائز، يعمل في قاعدة في المنطقة نفسها. وسبق أن اعترف القائد الأعلى السابق للقوات الأميركية في أفغانستان، الجنرال ستانلي ماكريستال، بهذا الأمر قائلا: "لقد اطلقنا النار على عدد كبير من الناس وقتلنا عددا منهم، وبحسب معرفتي فإن أيا منهم لم يكن يشكل تهديدا فعليا للقوات".
وبما أن التوتر الأميركي الأفغاني هو في ذروة التصعيد بسبب الأحداث الأخيرة، فإن شكوكا حيال هجوم منسق تصبح أكثر موضوعية. وكما يذكر الكاتب روبرت فيسك، فقد خرج القائد الأعلى للجيش الأميركي في أفغانستان الجنرال جون آلن عن أسلوبه أخيرا ليقول لجنوده إن: "الوقت غير ملائم الآن للانتقام من مقتل جنديين أميركيين في أحداث الشغب الأخيرة" والتي أشعلها إحراق المصحف، وحث جنوده على "مقاومة الرد مهما كانت الدوافع التي لديهم"، ومن الجلي أن الجنرال آلن كان مهتما في تنسيق هجمات انتقامية عسكرية على المدنيين الأفغان.
تحقيق حصري
وشكوك الأفغان حول إجراء تحقيق أميركي حصري يستبعدهم، أشعلها، بشكل مفهوم أيضا، تاريخ من الأكاذيب للجيش الأميركي حول حوادث عنف في أفغانستان. وكما يوثق المراسل الحربي جيروم ستاركي: "إن القوات في أفغانستان بقيادة أميركا ارتكبت الفظائع وكذبت واستطاعت التملص من العقاب".
وستاركي كان يكتب عن حادثة واحدة تم القبض فيها على جنود أميركيين على خلفية أعمال قتل وحشية لقرويين أفغان. في فبراير 2010، دخلت قوات أميركية قرية في إقليم باكتيا في أفغانستان، وبعد أن أحاطت بمنزل يجري الاحتفال فيه بمولود جديد، قتلت رجلين مدنيين، هما مسؤولان حكوميان، كانا قد خرجا من المنزل في سبيل الاستعلام عن أسباب تطويق المنزل، ثم قامت بإطلاق النار على ثلاث نساء قريبات للرجلين وقتلتهن.
بيانات زائفة
وفي أعقاب ذلك، أصدرت البنتاغون بيانات تشدد على أن الرجلين المغدورين كانا من المتمردين وبأن النساء القتلى كانت أفواههن مكممة وقد قتلن داخل المنزل قبل وصول القوات الأميركية وهما ضحايا "جرائم الشرف".
وصوروا القرويين الأفغان، الذين اصروا على ان جنودا أميركيين كانوا وراء عمليات القتل، على أنهم كاذبون. ووسائل الأعلام الأميركية من جهتها تبنت وجهة نظر الجيش الأميركي وبثتها على قنواتها. لكن أدلة كافية ظهرت بعد ذلك تنفي هذه المزاعم، وأجبرت البنتاغون على الاعتراف بأن جنودا أميركيين هم من قتلوا النساء كما شهد القرويون.
وكما كتب ستاركي: "ليست هذه هي المرة الأولى التي اجد فيها ناتو يكذب"، فهل هناك من داع للعجب لماذا الأفغان لا يثقون بالحكومة الأميركية لإجراء تحقيقاتها ومحاسبة المسؤولين عنها؟
إن اكثر ما كشف عنه قرار إخراج بايلز من أفغانستان هو الاعتقاد الأميركي بأنه لا توجد دولة بإمكانها فرض المساءلة على الأميركيين في أي وقت، وهذا تمت رؤيته أخيرا وبشكل واضح في العراق.
جهود فاشلة
ويحب مؤيدو الرئيس الأميركي باراك أوباما أن يجيروا له نجاح "إنهاء الحرب في العراق"، لكن الرئيس الأميركي السابق جورج بوش هو من دخل في اتفاق مع الحكومة العراقية يقضي بإخراج كل القوات الأميركية بنهاية 2011. وبدلا من الالتزام بذلك الاتفاق، حاولت إدارة أوباما جاهدة إقناع العراقيين والضغط عليهم للسماح لقوات أميركية في البقاء إلى ما بعد هذا التاريخ. لكن تلك الجهود فشلت لسبب واحد وهو رفض أو بشكل أدق عدم قدرة حكومة المالكي الموافقة على وجود جنود أميركيين محصنين ومحميين من القانون العراقي على أي جرائم مستقبلية يرتكبونها على التراب العراقي.
