تم التهليل لعمليات «ناتو» في ليبيا كمثال للتدخل الناجح للحلف، باعتبار أن الحلف رد بسرعة على وضع متدهور شكل تهديداً لمئات الألوف من المدنيين المنتفضين ضد نظام قمعي، ونجح في تأمين الوقت والمساحة المطلوبين للقوات المحلية للإطاحة بالرئيس الليبي الراحل معمر القذافي في نهاية المطاف، ولقد فعل الحلف ذلك من خلال إشراك شركاء في المنطقة ومقاسمة أعباء الحرب بين الدول أعضاء هذا الحلف.
ويرى خبراء عسكريون أميركيون أن تدخل ناتو في ليبيا أظهر الحلف باعتباره مصدراً رئيسياً للاستقرار، ويؤكدون أنه للحفاظ على هذا الدور، يتعين على ناتو تقوية التماسك السياسي والقدرات المشتركة للذين جعلا من الممكن إتمام العملية في ليبيا، لا سيما مع استعداد قادته للتوجه إلى قمة ناتو المنعقدة في شيكاغو بأميركا مايو المقبل.
استجابة سريعة
وكان رد فعل المجتمع الدولي على حملة القمع الوحشية التي أطلقها القذافي في وجه الناس المنتفضين ضد حكمه في فبراير 2011 سريعاً. في أواخر فبراير 2011، فرض مجلس الأمن عقوبات على ليبيا وحظراً على الأسلحة وتجميداً للأصول الليبية، كما حول جرائم القذافي ضد الإنسانية إلى محكمة الجنايات الدولية في لاهاي، وبعد فترة وجيزة، علقت الجامعة العربية عضوية ليبيا ودعت المجتمع الدولي بعد ذلك لفرض منطقة حظر طيران على البلاد. وبعد ذلك في 17 مارس 2011، وافق مجلس الأمن على هذا الطلب وفوض باتخاذ كل الإجراءات الضرورية لحماية المدنيين.
ومن جهتها، سهلت الولايات المتحدة رد الفعل الدولي السريع، وكانت واشنطن الدولة الأولى التي تقطع التمويل عن القذافي من خلال تجميد ما قيمته 32 مليار دولار من الأصول الليبية في أواخر فبراير 2011، مما شجع الدول الأخرى على ان تحذو حذوها. وقادت واشنطن قرار الأمم المتحدة الذي فوض التدخل في ليبيا، مبررة هذا العمل بأنه يتماشى مع قاعدة مسؤولية الحماية التي تدعو المجتمع الدولي إلى التدخل عندما تفشل الحكومات في حماية مواطنيها.
وفي 19 مارس 2011، بعد الحصول على تفويض من الأمم المتحدة، قادت أميركا تحالفاً لشن ضربات جوية وصاروخية ضد القوات الليبية، والتدخل الأولي أزال نظام الدفاع الجوي للنظام الليبي في غضون 72 ساعة ونشر طائرات وسفن لفرض قرارات الأمم المتحدة.
وبعد هذا النجاح المبكر، سعى الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى موافقة ناتو على تولي القيادة والسيطرة على العمليات لضمان الاندماج الفعال للجيوش الحليفة والشريكة.
ميزة فريدة
ويرى الخبراء العسكريون الأميركيون أن حلف ناتو نجح في ليبيا بكل المقاييس، حيث مكن المعارضة الليبية من الإطاحة بواحد من أقدم الدكتاتوريين في العالم، وأنجز كل هذا من دون وقوع إصابة واحدة بين صفوف الحلفاء وبكلفة 1.1 مليار دولار على الولايات المتحدة، مما يمثل جزءاً يسيراً مما تم إنفاقه في تدخلات سابقة في البلقان وأفغانستان والعراق.
لكنهم يرون تحديات طرحتها عملية ناتو في ليبيا على صعيد المفهوم والتطبيق. إذا كان ناتو يريد ان يكرر نجاحه في المستقبل، فإنه يتعين عليه ان يتفحص هذه التحديات وان يتعلم منها. والدرس الأول هو ان ناتو يتمتع بموقع فريد في سرعة الاستجابة وبفاعلية للأزمات الدولية. بعض الدول لديها قدرة مهمة على توظيف قدراتها العسكرية بنجاح، لكن عندما ترغب مجموعة من الدول في شن تدخل مشترك في إطار تحالف، وما يستتبع ذلك من منح التحالف الشرعية السياسية، فإن ناتو وحده بإمكانه تأمين هيكلية وقدرات قيادية موحدة، تعد ضرورية في وضع خطة للعمليات المعقدة وتنفيذها.
والدرس الثاني يتعلق بالوحدة السياسية لـ ناتو التي على الرغم من تحسنها، لاتزال تتطلب عملاً إضافياً على هذا الصعيد. وحلفاء ناتو تغلبوا على خلافاتهم حول ليبيا في وقت مبكر، واتفقوا على مسار تحرك مقبول للجميع. وساهم كل حليف في العملية من خلال الهيكلية القيادية لـ ناتو، ولم يفرض أي من الحلفاء قيوداً على استخدام طواقمه المعينة في مراكز قيادة ناتو. وعلى الرغم من أن 14 دولة عضواً في ناتو ساهمت بشكل مباشر في عملية الحامي الموحد، إلا أن عدداً مساوياً من الدول أعضاء في ناتو لم يفعل ذلك، ودول عدة لم تشارك بسبب نقص الموارد للقيام بذلك، لكنها مع ذلك قدمت دعمها السياسي.
لكن بلداناً أخرى مثل ألمانيا قررت عدم المشاركة على الرغم من إمكانية قيامها بذلك. وبرلين لم توقف قرار ناتو الخاص بالتحرك في ليبيا بل إنها ساعدت في عمليات التحالف ككل من خلال زيادة اشتراكها في المراقبة الجوية في أفغانستان، لكنها امتنعت عن التصويت في مجلس الأمن بتفويض التدخل وبقيت بعيدة عن العمليات العسكرية. وبولندا أيضاً ساعدت من خلال بيع الذخائر دقيقة الاستهداف إلى دول أخرى أعضاء في ناتو، إلا أنها امتنعت أيضاً عن المشاركة بشكل مباشر.
وعند تولي ناتو القيادة في ليبيا، ترددت بعض الدول في تسليمه مسؤولية العملية العسكرية خوفاً من ان الحلف قد لا يحشد دعماً كافياً في المنطقة، لكن هذا التخوف لم يكن في مكانه. وكانت بعض الدول العربية قد وثقت علاقاتها مع ناتو من خلال الحوار المتوسطي ومبادرة التعاون في إسطنبول. وهذه البرامج التي تم إطلاقها في 1994 و2004 وسعت قدرة ناتو على الشراكة مع دول في شمالي إفريقيا والشرق الأوسط.
تقوية دوره
ويرى هؤلاء الخبراء أن تدخل ناتو الناجح في ليبيا يرتب على المنظمة تقوية بنيتها التحتية الأساسية إذا كانت تأمل في تقوية دورها في الأمن الدولي. وهيكلية القيادة المدمجة لـ ناتو والتمويل المشترك يربط أعضاء الحلف سوياً، لكن تبقى برأيهم نواقص خطيرة في القدرات الإجمالية. ففي داخل هيكلية القيادة على سبيل المثال، فشل الحلف في تكريس الموارد الضرورية لتطوير مهارات حيوية، بما في ذلك القدرة على إيجاد أشكال الأهداف المتنقلة التي تعد أمراً شائعاً في العمليات الحديثة والتعامل معها، والتخطيط لعمليات مشتركة بموازاة سرعة وتيرة اتخاذ القرارات، ودعم عملية الاستهداف بالاستشارات القانونية، وتأمين المعلومات الموثوقة حول تطور العمليات للشعب في وقتها.
وقد أهمل ناتو أيضاً تقوية الأدوات الأساسية في الحملات العسكرية مثل الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع والاستهداف المحكم والتزود بالوقود جوّاً، على الرغم من عقدين من برهان التجربة على أهميتها.
وبدلاً من الاستثمار في ناتو، اعتمدت كثير من الدول الأعضاء على أميركا للتعويض عن هذه النواقص. في ليبيا، أمنت واشنطن 75% من بيانات الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع الموظفة لحماية المدنيين وتطبيق الحصار المفروض على الأسلحة.
وساهمت أيضاً بنسبة 75% في عملية التزود بالوقود للطائرات المستخدمة في المهمة، التي بدونها لما تمكنت الضربات الجوية من الاقتراب من الأهداف المحتملة في سبيل الاستجابة سريعاً للقوات المعادية.
وتوجب على القادة الأميركيين في أوروبا إرسال اكثر من 100 من الطواقم العسكرية إلى مركز الاستهداف في ناتو على وجه السرعة في بداية التدخل عندما اصبح واضحاً ان دول أعضاء في ناتو تنقصها المعرفة والخبرة في تزويد طائراتها بمعلومات حول الأهداف الصحيحة.
واعتماد أعضاء الحلف الكبير على أميركا خلال الصراع سلط الأضواء على كلفة عقد من تراجع الاستثمار الأوروبي في مجال الدفاع، وحلفاء أميركا في أوروبا ينفقون الآن ما معدله 1.6% من ناتجهم الإجمالي المحلي على جيوشهم، وكثيرون ينفقون أقل من 1%، في المقابل انفاق أميركا نسبة تصل إلى حوالي 4% من ناتجها المحلي الإجمالي.
وواقع أن واشنطن تنفق على الدفاع حوالي ثلاثة أضعاف اكثر مما تنفقه 27 دولة عضواً حليفاً في ناتو مجتمعة، أحدث تفاوتاً متزايداً في قدرات الدول الأعضاء، وهذا ما كان قد حذّر منه وزير الدفاع الأميركي السابق روبرت غيتس في خطابه الوادعي، عندما قال إن عدم التوازن يهدد بإيجاد حلف على مستويين، مما قد يبرهن في النهاية على انه غير قابل للاستدامة.
ويقول الخبراء: ان ناتو بدأ في معالجة هذه النواقص حتى قبل أن تبدأ الحرب في ليبيا. في قمة لشبونة في نوفمبر 2010، على سبيل المثال، تبنى الحلف مفهوماً استراتيجياً جديداً لتوجيه عمله في العقد المقبل. وفي هذا الإطار، التزم الحلفاء بنشر كافة قدراتهم الضرورية للردع وللدفاع ضد أي تهديد لأمن وسلامة السكان. كذلك، حددوا القدرات العشرة التي اتفقت الدول الأعضاء على أنها أساسية لقوة المنظمة ووضعوا أولويات لها، ليس فقط تلك الخاصة بالعمليات الحالية مثل تطوير طرق صد أجهزة التفجير على الطرقات وتحسين المشاركة في المعلومات، لكن أيضاً المتعلقة بالمستقبل، مثل قضايا الدفاع الصاروخي وأعمال الاستخبارات والمراقبة والاستطلاع المشتركة، وهذه كانت نواقص أساسية في ليبيا.
ولكن يتعين على الحلف الآن حشد الإرادة السياسية لتطبيق هذه المعايير في فترة من التقشف المالي، يمكن ان تستمر دول ناتو في الاستثمار في قدراتها العسكرية على أن يأخذ كل منها الأمر على عاتقه، مما يعني بنظر الخبراء الاستثمار بشكل غير فعال وأحياناً بشكل غير كاف، وبموازاة ذلك الاعتماد على أميركا التي بدأ صبرها ينفد في سبيل التعويض عن النواقص، أو يمكن أن تستثمر الدول الأعضاء من خلال ناتو وغيرها من البرامج المتعددة الأطراف، لتوفير المال وتشجيع التعاون ومشاركة القدرات وإظهار التضامن. وناتو بنظر الخبراء لن يستمر في النجاح إلا إذا اختارت كل دولة عضو من أعضائه المسار الثاني.
ويرون ان الدول الأعضاء في ناتو يمكنها رفع التحدي، بتوجيه استثماراتها نحو تمويل برامج مهمة للتعامل مع بعض النواقص في العملية الليبية، ومن هذه البرامج نظام المراقبة الأرضية للحلف الذي صمم للمساعدة في تحديد مواقع القوات الأرضية المتنقلة والكامنة، وبالتالي تعزيز قوة جمع المعلومات الاستخبارية لـ ناتو وعمليات المراقبة والاستطلاع، والعمل أيضاً على دراسة تجميع استثماراتها في عمليات التزود بالوقود جوّاً والأسلحة الموجهة بدقة، ومشاركة البيانات حول مخزونات ذخائرهم الوطنية في سبيل تحسين عملية التخطيط.
ويذكر الخبراء ان العملية في ليبيا كانت محدودة نسبياً، وتمثل خمس حجم العملية في كوسفو فيما يتعلق بحجم الأصول العسكرية المعنية، لذا، إذا استمر الإنفاق الدفاعي في التراجع، فإن ناتو قد لا يتمكن من تكرار نجاحاته في لبيبا خلال عقد من الزمن، ولهذا دعا الخبراء الدول الأعضاء في ناتو ضمان ان تصبح عملية مقاسمة الأعباء التي حققت نجاحاً في ليبيا، وتستمر في تحقيق نجاح في أفغانستان الآن، القاعدة وليست الاستثناء.
