أُعطِي التهديد الذي يشكله في الظاهر تصاعد قوة الصين ونفوذها، مزيداً من الاهتمام، والبلاد تبدو ماضية في تسجيل شيء جديد أسبوعياً في برنامج التحديث العسكري لديها، لكن إذا كانت الصين تهدد الاستقرار الدولي، فإن تهديدها على الأرجح اقتصادي بدلاً من أن يكون تحدياً عسكرياً. والمشكلة ليست قوة الصين التي يجب أن تكون محطّ تركيز واضعي السياسات، بل ضعفها. وتفكك الاقتصاد الصيني سيسدد ضربة موجعة للاقتصاد العالمي.

وقصة الصين في الذاكرة الحديثة تسرد نموها الاستثنائي، حيث سجلت البلاد نسب نمو بمعدلات تبلغ 10% على مدى عقود ثلاثة، وتفوقت على اليابان لتصبح أكبر ثاني اقتصاد في العالم وأكبر مصدّر للسلع عالمياً.

وقد تم انتشال مئات الملايين من الناس من براثن الفقر، وبات حجم الطبقات الوسطى الصينية اليوم يعادل، بل يفوق حجم مجموع سكان معظم بلاد المعمورة. ودينامية الصين عززت قوة الاقتصاد العالمي، وعلى الرغم من التراجع الذي سببته أزمة 2008، فإن مرونة الاقتصاد الصيني صبغت البلاد بتلك المكانة والصورة التي تتجاوز ثروة البلاد الحقيقة.

لكن الاقتصاديين قلقون من احتمال حدوث «هبوط حاد» مع تباطؤ الاقتصاد الصيني. فقد انكمش القطاع الصناعي للبلاد على امتداد أربعة أشهر متتالية، مع تباطؤ الطلب العالمي. وتراجع معدل أسعار المنازل، في ظل تخمة في وحدات السكن، في 100 مدينة على امتداد خمسة أشهر متتالية.

وفي غضون ذلك، ازدادت أسعار السلع الاستهلاكية ببطء، مع وصول التضخم إلى نسبة 4.5% في يناير الماضي: وارتفعت أسعار المواد الغذائية، التي تشكّل ثلث مؤشر الاستهلاك، بنسبة 10.5% في ذلك الشهر.

مشكلة مقلقة

ومشكلة قطاع العقارات هي مقلقة بالتحديد، وهذا القطاع يقال إنه يشكل حوالي 20% من الاقتصاد الصيني والأصول الأساسية لعدد من الأسر، و يمكن أن يؤدي هبوط واسع النطاق في قيمة هذه الأصول إلى حالة من عدم الاستقرار.

لكن التأثيرات الجانبية غير المباشرة هي الأكثر مدعاة للقلق، فالحكومات المحلية تعتمد على بيع الأراضي لزيادة الإيرادات، وفي 2011، تراجعت إيرادات بيع الأراضي 13% سنة عن سنة.

والقطاع المصرفي لديه انكشاف لا يستهان به لسوق العقارات، والمصارف كانت أيضاً المحرك الرئيس لبرنامج التحفيز الهائل الذي عملت على تطبيقه بكين، بعد الأزمة المالية 2007-2008 لدرء الانكماش. وهناك نذر من الإيمان بأن تلك الأموال استُثمرت بشكل جيد، وتزداد المخاوف من أزمة مصرفية عندما تستحق هذه القروض.

ويتوقع معظم الاقتصاديين حدوث تباطؤ تدريجي في الاقتصاد الصيني، وتراجع في النمو من رقم مزدوج إلى مستويات أكثر منطقية.

وبعد أن نما بنسبة 9.2% في 2011، يقدِّر البنك الدولي في نوفمبر الماضي أن الصين سوف تسجل نمواً يفوق 8% في 2012. وهناك اعتقاد راسخ في الصين أن نمواً بنسبة 8% هو الحد الأدنى المطلوب لاستيعاب القادمين الجدد إلى سوق العمالة والعمال الذين فقدوا وظائفهم بسبب الخصخصة.

 

انكماش اقتصادي

ويهدد نمو يقِلّ عن ذلك بحدوث عدم استقرار اجتماعي وسياسي. وليس واضحاً كيف ستتعامل حكومة بكين أو الشعب الصيني، مع حالة انكماش كالتي تمسك بخناق الاقتصادات المتقدمة خلال السنوات الأخيرة. هل ستنظر إلى كبش فداء ما وراء البحار لإلهاء الناس؟

ويعتقد معظم المراقبين أن ما هو على المحك مرتفع الثمن جداً، إذا خرج الوضع الاقتصادي في الصين عن السيطرة، لا سيما خلال أوقات الانتقال السياسي. وبناء على ذلك، فإن الحكومة الصينية ستقوم بكل ما هو مطلوب منها للحفاظ على النمو الاقتصادي والتأييد الجماهيري.

لكن استناداً إلى تقرير حديث للبنك الدولي، فإن هذه المهمة تزداد صعوبة. يقول رئيس البنك الدولي روبرت زوليك، إن النموذج الاقتصادي الصيني «غير مستدام» ويمكنه أن يقع في «فخ المداخيل المتوسطة» للتنمية بميزات اقتصادية متواضعة، إذا لم تتبنَ البلاد إصلاحات مهمة، من بينها تشجيع الزيادة في الإنتاجية، وتراكم الرأسمال البشري.

ويدعو التقرير الصين إلى إجراء تغيير في مجالات حيوية عدة: إصلاح النظام الضريبي، والنمو المراعي للبيئة، وتحسين حقوق سكان الأرياف والتحرير المالي، وإلغاء قبضة المشروعات المملوكة للدولة على الاقتصاد، ويستنتج أن الفشل في الإصلاح «يخاطر باحتمال اندلاع أزمة اقتصادية في المستقبل» أو ربما عدم استقرار اجتماعي.