بعد تسع سنوات من قيام الجنود الأميركيين بإسقاط الرئيس العراقي السابق صدام حسين، وبعد مرور بضعة أشهر فقط على مغادرة آخر جندي أميركي للعراق، فإن البلاد أصبحت أقرب ما تكون بدولة فاشلة.
ويقوم رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بترؤس نظام يعج بالفساد والوحشية، يستخدم فيه القادة السياسيون القوات الأمنية والميليشيات لقمع أعدائهم وتخويف السكان عموماً، كما يستخدمون القانون كسلاح ضد الخصوم ولإخفاء آثام الحلفاء، وقد بدأ الحلم بقيام عراق محكوم من قبل قادة منتخبين مسؤولين أمام الشعب يتلاشى سريعاً.
واليوم، ليس بإمكان الدولة العراقية تأمين الخدمات الأساسية، والناس فقدوا أي أمل بانتهاء إراقة الدماء، والمسؤول عن الانزلاق البطيء للعراق نحو الفوضى هم المالكي وخصومه، حيث يدفع الطموح المنفلت من عقاله والأحقاد التاريخية بجميع السياسيين إلى تجاهل تبعات سلوكهم على مؤسسات العراق الجديدة والمجتمع العراقي.
وفي السنة الأخيرة، تراجعت الضمانات التي أعطاها المالكي للديمقراطية، بوضع أشخاص موالين له في وزارة حقوق الإنسان واستخدام مكاتب مكافحة الفساد في الدولة لاستهداف الأعداء السياسيين، ومضايقات المالكي واضطهاده لكل من شكل تهديداً له أو لحزبه، قلص الحرية إلى درجة كبيرة على امتداد العراق، والأمر الأسوأ بالنسبة لبلاده ولحكمه، هو أنه من خلال حكمه القائم على العدوانية والمحاباة، يخاطر بتعريض سلطته للإلغاء ودفع العراق إلى العودة إلى أتون الحرب الأهلية.
واشنطن الغائب الحاضر
لكن المالكي وزبانيته ليسوا الوحيدين الملامين على تحطم الآمال والانزلاق بعيداً عن الديمقراطية، فمنذ الأشهر الأخيرة من إدارة بوش وبداية رئاسة أوباما، ركزت واشنطن على ضمان العلاقة الاستراتيجية طويلة الأمد مع بغداد، لا سيما مع رئيس الوزراء نوري المالكي، بدلاً من التركيز على مساندة المبادئ الديمقراطية، كما فعلت خلال خطة زيادة القوات، وذلك في سبيل ان تتمكن من سحب قواتها بسهولة أكبر. ففشلت في الاستفادة من مكاسب خطة زيادة القوات الأميركية، ودمرت فرص انبعاث حكومة غير طائفية موحدة.
وخطأ واشنطن الأكبر في السنوات الأخيرة جاء في صيف عام 2010، عندما تخلت عن مظاهر الحياد من خلال تأييد المالكي لمنصب رئيس الوزراء وتغليبه على أياد علاوي، على الرغم من ان قائمة حزب علاوي حصلت على عدد أعلى من الأصوات في الانتخابات العامة. وأميركا باختيارها المالكي أعطته الثقة لتفادي أي مساومة جادة مع علاوي.
في نوفمبر 2010، توصل المالكي وعلاوي إلى اتفاق لمقاسمة السلطة، برعاية مشتركة من الحكومة الكردية في أربيل بإقليم كردستان وواشنطن، حيث كان يفترض بالمالكي التنازل عن سيطرته المباشرة على قوات الأمن، والتخلي عن قبضته المحكمة على الحكومة ومعظم الوزارات.
لكن واشنطن سرعان ما فضت يدها من ضمان تطبيق فعلي لبنود الصفقة. ويشير أحد الدبلوماسيين إلى انه على الرغم من ان المسؤولين الأميركيين كان لديهم حوار منتظم مع المالكي حول حقوق الإنسان، إلا أن تركيزهم الجوهري وقلقهم، كان ينصب على بناء علاقة أمنية مع الحكومة العراقية. لكن بغض النظر عن تجاوزات تسلط المالكي، فإن المسؤولين الأميركيين سمحوا للثقافة السياسية في العراق أن تتفكك، وبدلاً من مساعدة بغداد على المضي قدماً، سمحت أميركا بانجراف البلاد نحو الطائفية والحكم الاستبدادي.
في ديسمبر الماضي، تدهور الوضع السياسي في بغداد إلى مستوى قياسي جديد، ففي اليوم الذي تلا خروج آخر جندي أميركي من البلاد، دعا المالكي فجأة إلى اعتقال نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي، بتهم إدارة فرق موت. وبهذه الخطوة تخلى عن أي تظاهر باهتمامه بالمصالحة الوطنية.
والأزمة كشفت الطبيعة المصطنعة والأشراك الموجودة داخل النظام الديمقراطي العراقي ومقدار السرعة التي تهدد فيها الخلافات بين القادة الوطنيين العراق كدولة.
ثلاثة خيارات
ولا توجد شخصية سياسية مهما علا شأنها تشكك الآن بقدرة المالكي على تسخير القانون والدولة لأطماعه، ومع ذلك، يستغل رئيس الوزراء العراقي سلطته للتخلص من كل أعدائه، بفضل ارتباطه بنظام أساسه برلماني فرضته الولايات المتحدة عام 2003.
لكنه سوف يظل يسعى للسلطة المطلقة، باستخدام الخوف والترهيب والمحسوبية، والمعارضة في المقابل ستتآمر ضده وتحاول تخريب سياساته الإيجابية والسلبية على السواء، رغبة منها في رؤيته يفشل، لكن هذه المعارضة التي يعوق عملها انقسامها على نفسها، لن تستطيع أبداً أن تنجح في خلعه من منصبه. وهذا الطريق المسدود المتآكل سيثير خيبات أمل بالنظام الحالي مودياً به إلى الانهيار، وسوف ينتج عن ذلك ثلاثة خيارات ستكون جميعها خطرة على الأرجح.
أولًا، إن حدثاً محدداً أو سلسلة أحداث، مثل الانتخابات المحلية أو الوطنية المتوقعة في 2013 و2014 على التوالي، أو تصعيد في حملة الاعتقالات ضد خصوم المالكي، يمكنها ان تطلق أعمال عنف شاملة. ثانياً، الحكم العقيم للحكومة المركزية يمكن ان يؤدي بالقادة الإقليميين إلى فصل مناطقهم المستقلة ذاتياً تاركين العراق دولة بالاسم فقط، وهذا الاحتمال يمكنه أيضاً ان يؤدي إلى إراقة دماء إذا رفضت بغداد الاعتراف بهذه الحدود، أو إذا بدأت تلك الأقاليم في الاقتتال داخلياً على الأراضي. ثالثاً، يمكن ان يحدث انقلاب من قبل بعض الشخصيات السياسية والمسؤولين العسكريين، بزعم ان الحكومة الحالية تعرض البلاد للخطر، ويجري إعلان أحكام خاصة لفترة طارئة، ويلي ذلك حملات قمع مما يطلق دوامة من العنف.
وأي من هذه النتائج سيبرهن على انه كارثي ويشكل هزيمة كامله لأميركا فيما يتعلق بأهدافها للبلاد. ولإنقاذ العراق من هذا المصير، يتعين على واشنطن ان تدفع ببغداد نحو احترام اتفاقات مقاسمة السلطة التي تم التوصل إليها واتخاذ خطوات ملموسة نحو نظام حكم يتصف بالشفافية وحكم القانون والمصالحة الوطنية.
وبقدر ما سيحاول المالكي مقاومة الجهود الأميركية لكبح جماحه، إلا أنه لا يزال يعتقد ان أميركا قادرة على أن تساعده في إعادة بناء العراق. وهو واقع بين طموحاته الكبرى لتحقيق الوفرة لبلاده، وجذوره كإسلامي ثوري يعمل في الخفاء. وإذا رأى أن هجر واشنطن له سيؤدي إلى نهاية حكمه أو يقود العراق إلى درب العزلة الدولية، كما سبق لصدام ان قاد العراق سابقاً، فإنه سيكون أكثر قابلية للتأثر بالضغوط.
تبدد الآمال
والبلاد تعيش حالة من خيبات الأمل من الخلل الحكومي والفساد، وهذا الوضع وصل بتأثيره إلى مدينة البصرة الغنية بالنفط في جنوب العراق. وكان المالكي قد خاض حملته عام 2008 ضد الميليشيات التي كانت ترعب السكان العراقيين العاديين هناك، مظهراً عن كونه زعيماً جريئاً على استعداد لمواجهة مجموعات مسلحة حتى لو كلفه هذا منصبه. وشعبية المالكي ارتفعت، بعد ان أنقذ المدينة من الفوضى، وجرى النظر إليه باعتباره الأمل الأفضل للأمن والتطور. لكن بعد أربع سنوات، فإن هذه الآمال تبخرت إلى حد بعيد، والبصرة الآن لديها برك مفتوحة من مياه الصرف الصحي، وانقطاع للكهرباء وبلدات فقيرة من الصفائح المعدنية.
ويعتقد عدد من رجال الأعمال المحليين والسياسيين ان إقامة منطقة مستقلة ذاتياً في إقليم البصرة تشكل الطريق الوحيد لإنقاذها من الفقر ونير النخبة الفاسدة في العاصمة، وهم غاضبون لأن بغداد تسيطر على الأمن وتوجه الإنفاق في الإقليم وتمسك الأموال عن الحكومة المحلية لبسط هيمنتها على المنطقة الغنية.
وبمواجهة آفاق تفكك هذه القاعدة الشعبية، عمل المالكي على تأجيج المخاوف الشعبية من صراع طائفي، معتقداً ان الناس بذلك لا يجرؤون على الانفصال عنه ويعرضون للخطر الهيمنة على المسار السياسي. ومثل هذه الاستراتيجية تشكل انفصالًا عن خطاب المالكي عام 2008 عندما استخدم لإطالة عهده، الجيش الوطني لمحاربة الميليشيات الطائفية، واستكشف فكرة تشكيل تحالفات مع زعماء من طوائف أخرى.
وهذه الفكرة تخلى عنها المالكي في السياسة الصرفة للانتخابات الوطنية عام 2010. وفي محاولته اللاحقة لتعزيز سلطته، أصبح أكثر اعتماداً على الأحزاب الطائفية المتشددة من لون واحد، وأحدث مع مؤيديه استقطاباً في سياسة البلاد بمحاولتهم اعتقال السياسيين، والإعلان عن إحباط سلسلة من المؤامرات الإرهابية.
ونتيجة لذلك، ينظر إليه الآن كطاغية بعد ان كان البعض يتعاطف معه قبل عامين، واستناداً إلى حلفاء سابقين له، يوجد تخوف الآن من أنه سيمضي في عملية اضطهاد طائفي باعتقالات اعتباطية وحملات تخويف. وقد حذر الناطق باسم البرلمان، أسامة النجيفي، من القائمة العراقية، انه إذا استمرت بغداد في تبني مثل هذه الأعمال العدوانية فإن السكان سيجبرون على إعلان مناطقهم المستقلة ذاتياً، وبالطبع العديد من قادتهم يدعمون الآن الحكم الذاتي، وهي فكرة كانوا قد عارضوها في عام 2005، عندما كانت منصوصاً عليها في الدستور.
تركة أميركية
ان الانتخابات المحلية لعام 2013 والانتخابات الوطنية السنة التي تليها ستكون اختباراً للقادة العراقيين لمعرفة ما إذا كانوا بالفعل يؤمنون بوجود حكومة تمثل كل فئات الشعب أم أنهم سيحاولون التمسك بالسلطة بكل الوسائل المتاحة، ويلاحق المالكي حالياً عدداً من المسؤولين من موظفي المفوضية العليا للانتخابات بتحقيقات في الفساد. وفي يناير 2011، فاز بحكم قضائي وضع المفوضية تحت سلطته بدلاً من أن تكون تحت سلطة البرلمان، وفيما يتساءل بعض المسؤولين العراقيين ما إذا كانت الانتخابات المقبلة ستكون حرة ونزيهة، فإن عدداً من المسؤولين العسكريين الأميركيين السابقين يتساءلون ما إذا كانت ستتم أم لا.
ويتعين على أميركا ان تضمن إجراء الانتخابات، وان تكون عادلة ونزيهة، وعدم القبول بتراجع ديمقراطي في سبيل منفعة سياسية، ومواجهة المالكي وحكومته لأسباب تتعلق بالاعتقالات السياسية وسوء معاملة المعتقلين سيوتر العلاقات، لكن تفادي مثل هذه المواضيع ساهم في تحول العراق إلى دولة مليئة بالمتاعب. فإذا انزلق إلى الدكتاتورية أو الحرب، سوف يكون هذه تركة أميركية في تاريخ البلاد، لكن العراق يجب ان لا يشطب عن الخارطة، وبمساعدة خارجية ما زال بمقدوره التخبط عبر حكومة منتخبة تكون مسؤولة إلى حد ما وتمثيلية، ومثل هذه النتيجة تشكل تعويضاً كبيراً عن المغامرة الكارثية في تلك البلاد.
