تهدف الديمقراطية أن توفر لبلد ما حكومة تعبر، بشكل دقيق بهذا القدر أو ذاك، عن إرادة الجمهور. ومن المستحيل بشكل واضح إرضاء كل الناس كل الوقت، ولكن إذا كانت هناك وجهة نظر شعبية توافقية بشأن مسألة بعينها، فالنظرية تفيد أن الأحزاب السياسية التي تعتمد على رصيدها في الانتخابات من الأفضل عدم تجاهلها.
من الناحية العملية، لا تمضي الأمور على هذا النحو. فعلى الرغم من أن مصطلح النخبة السياسية تم الإفراط في استخدامه في الآونة الأخيرة، فإن هناك قضايا تنطوي في الواقع على وجود انقسام حاد بين قيادة الأحزاب السياسية وبين الجمهور الذي يطمحون إلى تمثيله. تلك الحقيقة التي اتضحت من خلال حلقة لبرنامج وقت السؤال، وهو البرنامج التلفزيوني الوحيد في شبكة بي بي سي البريطانية الذي يتم من خلاله مواجهة السياسيين بتحدٍ مباشر من أفراد الجمهور.
وقد أثيرت هذه المسألة نتيجة القرار المؤقت من جانب الحكومة الهندية باللجوء إلى فرنسا لشراء 126 طائرة مقاتلة، بدلاً من شراء طائرات من طراز تايفون البريطانية، على الرغم من أن بريطانيا تقدم للهند مساعدات سنوية بقيمة 280 مليون استرليني، وهي تعد أكبر بست مرات مما تقدمه أي دولة أخرى. فقد كان وزير دولة بوزارة التنمية الدولية آلان دنكان من حزب المحافظين ووزير العدل في حكومة الظل صادق خان، متفقين على أنه لا ينبغي أن تحمل هذه الحادثة الحكومة البريطانية على مناقشة برنامج المساعدات إلى الهند ولو لثانية واحدة، الأمر الذي أدهش الجمهور بوضوح.
كان السياسيان على حق، من جانب واحد، وهو أن ربط المعونة بالعقود العسكرية لن يعدو كونه شكلاً من أشكال الرشوة التي تعد، في الواقع، ممارسة قياسية في مجال الأعمال التجارية المحلية في جميع أنحاء شبه القارة الهندية. ومن ناحية أخرى، فمنذ أن أعلن أندرو ميتشيل، وهو رئيس دنكان، في ديسمبر الماضي أن المساعدات البريطانية إلى الهند كانت في جزء منها تتعلق بـ السعي إلى بيع طائرات تايفون، فمن الواضح أن الحكومة كانت تأمل في التخلص من بعض الضغوط على أموال مساعدتنا، ربما على افتراض أن يكون سخاء دافعي الضرائب البريطانيين المتعاونين من شأنه منح بريطانيا ميزة طيبة في نيو دلهي.
مساعدات زهيدة
لذا فقد كان من المفيد أن نقرأ في الصحف خبراً يفيد بأن وزير المالية الهندي قال أمام برلمان بلاده إننا لسنا بحاجة إلى هذه المساعدات من بريطانيا، فهي زهيدة بالنظر إلى نفقاتنا التنموية الشاملة. وكشفت صحيفة صنداي تلغراف البريطانية أيضاً، على ما يبدو من خلال محتويات مذكرة رسمية، عن أن وزيرة الخارجية الهندية السابقة نيروباما راو، كانت قد اقترحت عدم الاستفادة من أي مساعدة تقدمها وزارة التنمية الدولية البريطانية بدءاً من شهر إبريل 2011، بسبب الدعاية السلبية للفقر في الهند التي تروج لها هذه الوزارة. وزعمت الصحيفة أنه قد تم توجيه التحذير إلى دلهي بأن إلغاء المساعدات من شأنه أن يتسبب في إحراج سياسي خطير للحكومة البريطانية، لأن وزراء بريطانيين بذلوا جهداً سياسياً لتبرير تقديم المساعدات لناخبيهم.
قرار سياسي
إن ذلك بالتأكيد يقدم نطاقاً من الحقيقة (والذي لا يعني، بطبيعة الحال، صحته). قرار رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون بالحفاظ على ميزانية المساعدات الخارجية لبريطانيا وزيادتها، في حين يتم خفض ميزانية باقي الوزارات الأخرى غير الصحة، كان قراراً سياسياً على نحو مكثف. وكونه تم الإعلان عنه بشكل كبير في السنوات التالية من الانتخابات العامة في عام 2010، فإن الالتزام كان الهدف منه إقناع الناخبين بأن المحافظين لم يكونوا قساة القلوب تجاه الفقراء، لكنهم يتمتعون بضمير اجتماعي على درجة عالية من التطور. فقد كان الهدف منه، بعبارة أخرى، هو جعل الناس يشعرون بارتياح بشأن التصويت لمصلحة المحافظين، وهو جزء من استراتيجية وصفت بأنها إصلاح سمعة حزب المحافظين.
