الأفراد يصنعون التاريخ. فلو أن آخر زعيم للاتحاد السوفيتي السابق لم يكن ميخائيل غورباتشوف، لكان العالم مكاناً مختلفاً. وكذلك فإن شخصية وآراء نائب الرئيس الصيني كسي جينبينغ، الذي قام بزيارة إلى الولايات المتحدة، أخيراً، لها أهميتها. بعد قضاء عدة سنوات لم يتمكن خلالها من التوصل إلى انطباع واضح حول الرئيس هو جين تاو، يتحول الاهتمام الآن إلى الرجل الذي سيكون خلفاً له من خلال منع الحوادث.

أفضل موجز مصغر في هذا الصدد يأتي في كتاب يصدر قريباً من تأليف جوناثان فينبي بعنوان رأس النمر وذيول الأفاعي، وهو عنوان يشير إلى الصين الحديثة، وليس إلى نائب الرئيس. حقيقة أن جينبينغ عانى شخصياً خلال الثورة الثقافية.

حيث كان يقول: تجرعت المرارة أكثر بكثير من معظم الناس، ونزعته البراغماتية الواضحة واكتشاف أن لديه أختاً في كندا وأخوه في هونغ كونغ وابنة تدرس تحت اسم مستعار في جامعة هارفارد، كل ذلك يشير إلى شخص قد يدفع الإصلاحات السياسية الضرورية في الداخل ويكون معداً لفهم الغرب بشكل أفضل.

حقيقة أنه صعد إلى القمة من خلال البقاء على مسافة صحيحة من كل المجموعات الرئيسية في المؤسسة الشيوعية، وعلاقاته الوثيقة مع جيش التحرير الشعبي، واندفاعه الملحوظ في المكسيك في عام 2009 لشجب بعض الأجانب المتسمين بالملل الذين لا يملكون شيئاً أفضل من أن يوجهوا أصابع الاتهام إلينا، تلك الأمور البسيطة تسير إلى رياح أكثر برودة قادمة من الشرق.

 

حماسة الشيوعيين الجدد

تم تفسير كل عبارة وإيماءة في رحلته إلى أميركا على أنها ضمن حماسة الشيوعيين الجدد، حيث يتم تصنيفه إما أنه مصلح عظيم أو أنه واقعي متشدد. أو أنه شخصية غامضة. وكما هي الحال بالنسبة لغورباتشوف، ربما يدرك القادة الغربيون تلميحات الشخصية الآن، لكننا لن نعرف بشكل مؤكد حتى يدخل جينبينغ المضمار، في عام 2013 على أقرب تقدير.

فالأفراد يصنعون التاريخ، لكنهم لا يصنعونه تماماً كما يشاؤون. وحتى عندما يصبح رئيساً للصين في ربيع عام 2013، فسيواجه جينبينغ قيوداً متعددة. يبدو أن الصين الآن لديها قيادة حزبية جماعية حقاً، أكثر مما كان لدى الاتحاد السوفييتي السابق.

تواجه الصين توترات اقتصادية واجتماعية هائلة لابد من إدارتها، بدءاً من مشكلة الديون الداخلية والفجوة بين الريف والحضر، إلى صعوبة التحرك بعيداً عن نموذج النمو الساحق الذي تقوده الصادرات. هناك مشكلات عالقة في شينجيانغ والتبت، وهي المنطقة التي شهدت، أخيرا، حرق راهبة تبلغ من العمر 18 عاماً لنفسها تعبيراً عن احتجاجها اليائس.

طرق التعامل

إذن، كيف ينبغي للغرب التعامل مع الصين، والعكس صحيح؟ تشير بعض الصحف إلى الطريقة التي يجب عدم اتباعها والأخرى التي ينبغي لنا اتباعها. ففي مؤتمر الأمن الذي انعقد في ميونيخ بألمانيا، أخيراً، استفاض تشانغ زيجون وزير الشؤون الخارجية الصيني بالإنابة بالتحدث عن الطريقة التي اختارت بها شعوب آسيا درباًَ مختلفاً عن الغرب، وكيف يتعين أن يترك الغرب الصين تتصرف بطريقتها الخاصة.

وإلى جانبه، يجلس السناتور الأميركي جون ماكين الذي بدأ التحدث عن هجوم صاروخي باليستي. وقال: مما يبعث على القلق عندما نرى أن كابلات لسفينة فيتنامية قد تم قطعها بواسطة سفينة صينية. فلا يزال الفيتناميون يتذكرون ألفي سنة من الهيمنة الصينية. فالناس يضحون بأنفسهم في منطقة التبت. ويمثل الربيع العربي تطلعات عالمية، ويقترب الربيع العربي من الصين أيضا.

هناك مثال نادر يوضح كيفية تفسير ذلك بشكل صحيح. فقد تحدث وزير الخارجية الاسترالي كيفن رود لفترة وجيزة وبشكل لاذع. وقال: إن الناس في أوروبا لم يفطنوا تماماً إلى ما يجري. فستصبح الصين أكبر اقتصاد في العالم في غضون هذا العقد. ولأول مرة في مئتي سنة سيكون أكبر اقتصاد في العالم غير ديمقراطي، ولأول مرة في خمسمئة سنة، ستكون بلداً غير غربي.

 

تحديات إستراتيجية

وإضافة إلى ذلك، ووفقاً لما وصف رود بأنه تحليل ذو مصداقية، فإن إجمالي الإنفاق العسكري للصين من المرجح أن يتجاوز مثيله في الولايات المتحدة بحلول عام 2025. وهذا في منطقة آسيا المفعمة بشتى أنواع التحدي الاستراتيجي، بدءاً من شبه الجزيرة الكورية المقسمة مروراً بمضيق تايوان المتنازع عليه إلى المواجهة بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان.

وخلافا للحال خلال نصف القرن الماضي، فلم تعد هيمنة الولايات المتحدة كافية ويمكن الاعتماد عليها في الحفاظ على السلام. تعد مسألة صياغة اتفاقية جديدة تضمن إقرار السلام في منطقة الباسيفيكي بمثابة التحدي الاستراتيجي الكبير في عصرنا. بالنسبة لأستراليا بوصفها بلداً غربياً في آسيا، فستفعل ما في وسعها.

ورداً على السجال بين تشانغ وماكين، صوّر رود كلا من النمو الهائل في الحرية الفردية والازدهار في الصين على مدى الثلاثين عاماً الماضية، والمسيرة التي لا يزال يتعين على الصين قطعها قبل أن يمكن وصفها بأنها بلد ذو حكم ركسيد في ظل سيادة القانون. ورفض ضمنياً المواقف التي اتخذها كل من ماكين وتشانغ، وقال: إننا بحاجة لتشكيل القيم العالمية معا.