انتهت الانتخابات الروسية، وأصبح رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين رئيساً للبلاد، وانتعشت الأسواق المالية وكسبت مجددا كل ما خسرته خلال شهر ديسمبر الماضي، عندما وصل منظور المخاطر السياسية إلى مستويات قياسية في ارتفاعها.

ويعد الاقتصاد الروسي نسبيا في وضع جيد، حيث السعر الجاري للنفط الخام يحقق حوالي 900 مليون دولار يوميا من صادرات النفط وحدها، وهذا يشير إلى سنة أخرى من الفائض في الميزانية في عام 2012، فهل يعني هذا ان كل شيء على ما يرام وأن حكومة بوتين يمكنها أن تعود مجددا إلى حالة الرضا بالإصلاحات التي طبعت إدارته في الفترة الأخيرة؟ لا مطلقا.

فاللعبة تغيرت بطرق مؤثرة، وهذه التغييرات لم تبدأ منذ انتخابات مجلس الدوما، بل بدأت المحفزات على التغيير تتضح منذ بداية عام 2009، وكان أهمها رغبة الناس في التغيير واستمرار نوعية حياتهم في التحسن، وعلى الرغم من التصويت الساحق لاستمرار القيادة، فإن الناس تريد قيام قادة الدولة بتغييرات.

واي حكومة تتجاهل هذه المطالب ستواجه مشكلات لا محالة، فحكومة روسيا لم تذق إلا القليل مما قد يأتي بحزم أشد لاحقا هذا العقد. وقد حاول بوتين دوما الوفاء بمطالب واقعية لأشخاص واقعيين، والمستثمرون قد يفاجأون بالتحركات التي ستجري على مدى السنة أو السنتين المقبلتين.

وهناك عدد من المحفزات التي برزت خلال السنوات الأخيرة تشير بوضوح إلى ان الحكومة المقبلة لم يعد لديها ترف الاعتماد على إيرادات النفط المرتفعة لتمويل النمو وشراء الاستقرار الداخلي. إنها الطبيعة الإنسانية التي قلما تحدو بالإنسان لأخذ المسار الصعب إلا إذا لم يكن هناك خيار آخر وتبعات عدم قيامه بذلك تصبح اكثر ضررا، والحكومات لا تختلف في هذا المضمار. وحكومة بوتين الجديدة يتعين عليها اتخاذ هذه الخيارات الصعبة أو المخاطرة بتباطؤ النمو الاقتصادي، هذا دون ذكر اندلاع احتجاجات أشد قوة وتنظيما قبل نهاية ولايته الرئاسية.

ويحتاج الاقتصاد الروسي إلى محفز جديد للنمو. وفي سبيل إحداث توازن في الميزانية الفيدرالية، فإن هذه الأخيرة تحتاج إلى تحقيق اكثر من معدل 115 دولار لبرميل النفط، وهذا الرقم يحتمل أن يزداد نتيجة لوعود الإنفاق التي أغدقها بوتين خلال حملته الانتخابية, وبالتالي لا يمكن ان يأتي محفز النمو الاقتصادي إلا من زيادة الاستثمار خارج الصناعات الاستخراجية وإحراز زيادة كبيرة في الكفاءة الاقتصادية.

ومن أجل جذب الاستثمار، فإن روسيا تحتاج إلى تحسين مناخ الأعمال، وفي سبيل تحسين الكفاءة الاقتصادية، فإن الحكومة تحتاج إلى جذب المزيد من المنافسة، وتسهيل عمل الشركات الأجنبية في روسيا ووضع الشروط المناسبة التي سوف تؤدي إلى المزيد من الشراكات بين المشاريع الروسية والأجنبية في الصناعات المستهدفة للنمو.

والجميع على دراية بقائمة "ما يفترض القيام به"، وعناوينها مكافحة الفساد وتخفيض البيروقراطية وتحسين تطبيق القوانين السائدة. وقد آن الأوان للبدء بالوفاء بهذه الوعود.

وعلى الرغم من نجاحات عديدة تم الحديث عنها، فان المستثمرين الاستراتيجيين والصناعيين كانوا محبطين جدا إزاء مدى صعوبة تأسيس أعمال وإدارتها في روسيا. والحكومة المقبلة ستكون مجبرة على المضي في نوع من البراغماتية النشطة.

وتضيف الاحتجاجات السياسية محفزا آخر إلى القائمة. والركود صيف 2009 في بعض المدن الصناعية مثل مدينة "تولياتي" وهي قلب صناعة السيارات للبلاد، كان المحفز الأول الذي هز الإحساس بالرضا الذي ينبع من القطاع النفطي.

ومحاولة بوتين الحصول على حصة في أوبل وفرع جنرال موتورز الألماني، جاءت في إطار الرد على الاحتجاجات الشعبية في تلك المدن حول المقدار الزهيد الذي تم القيام به خلال سنوات الازدهار للمساعدة في تنويع المدن الصناعية القائمة على صناعة واحدة.

وفي تلك الأوقات، اقر بوتين بأن الصناعة الروسية تحتاج إلى شراكة استراتيجية لتحسين الكفاءة ولزيادة الاستثمارات، وفي النهاية، فإن صفقة مع شركة "رينو" حققت النمو الهائل الذي شهدته روسيا في هذه الصناعة على مدى السنتين السابقتين.

وفي تلك الفترة، انتقل التعاطي مع عضوية منظمة التجارة العالمية من عدم المبالاة إلى البرغماتية، وشكلت هذه العضوية بعد 17 عاما من التردد مؤشرا ملموسا إضافيا على تغير موقف الحكومة نحو بيئة الأعمال.

والحادث الذي وقع في مصنع "سايانو-شوشنسكايا، في أغسطس 2009 أضاف محفزا للتغيير أيضا، حيث اصبح واضحا ان روسيا لا يمكنها تحقيق نموها المستهدف أو حتى الحفاظ على النمو القائم، من دون استثمار رئيسي في البنية التحتية.

بالإضافة إلى ذلك، فإن النواقص في القطاع الزراعي التي برزت في أغسطس 2010 شكلت محفزا آخر، حيث كشفت النقاب عن محدودية ما تم استثماره في الصناعات الرئيسية منذ ثمانينات القرن الماضي، ومدى اعتمادية البلاد على استيراد الغذاء وكفاءة القطاع الزراعي فعلا.

وكل هذه المحفزات ستحدد الأولويات الحيوية للحكومة المقبلة التي لا يمكنها تحمل أن تكون واثقة بنفسها كما في العقد الماضي، ذلك أن الاستثمار المنخفض وعدم الكفاءة الاقتصادية سوف يؤديان إلى تراجع في معدل النمو وعدم رضا جماهيري عن القادة السياسيين أوسع مما يجري اليوم.

وبالطبع، فإن من السذاجة افتراض أننا سنكون في وضع جيد على الفور. فهناك مصالح مترسخة وبيروقراطيون بحوافز ضئيلة وكثير من الناس يجنون أموالهم من الفساد. لكن كما سمح واقع عدم مبالاة كبار مسؤولي الحكومة بتفاقم هذه الممارسات على مدى العقد الماضي، فان تعاطيا جيدا من جانب الكرملين والحكومة بإمكانه البدء في إجراء التغيير وتصفية هذه الممارسات وصولا إلى القاعدة.