يأخذ المرشح الاشتراكي الأوفر حظا في الانتخابات الرئاسية الفرنسية فرنسوا هولاند راحته في دائرته الانتخابية في إقليم كوريز التابع لمنطقة ليموزان في الريف الفرنسي، في غمار سباق محتدم على الرئاسة يتخلله بشكل متزايد نبش ماضي المرشحين الشخصي وأشكال من القدح والذم.

وإذا حافظ هولاند على تفوقه في صناديق الاقتراع، فإنه سيصبح في مايو الرئيس اليساري الأول لفرنسا منذ فرنسوا ميتران، وزياراته الأخيرة إلى لندن في إطار حملته الانتخابية تضخم ادعاءاته بأن اليسار يمكنه أن يتعامل بشكل أفضل مع الأزمة الاقتصادية.

وفي ظل وجود حكومات يمينية تدير 23 من أصل 27 دولة في الاتحاد الأوروبي، وتعد سياسات التقشف أداتها الوحيدة، يقول هولاند إن بإمكانه ان يقدم شيئا مختلفا. ورسالته أكثر رصانة واتزانا من وعود ميتران المسرفة منذ 30 عاما، وتتلخص بوجوب ضبط الإنفاق الحكومي وكبح العجوزات، مضافا إليها وجوب إيجاد الحكومات وسائل لدعم النمو والتعليم، وإلا تفقد إجراءات التقشف الفائدة المرجوة منها. ويقول إن عدوه الأول هو القطاع المالي الذي "فقد صوابه" ويجب تنظيمه.

وإقليم كوريز ذو الكثافة السكانية المنخفضة يعد اكثر الدوائر مديونية في فرنسا. وقال هولاند انه ورث الدين عن اليمين ويفترض به شد الأحزمة لإعادتها إلى المسار الصحيح. لكن بالنسبة للبعض، يعد إقليم كوريز عالما مصغراً لأمة تجثو على ركبتيها.

فالمراقب المالي الوطني لفرنسا، وهي ثاني اكبر اقتصاد في منطقة اليورو، بنظام رعاية وفير وإحدى اعلى مستويات الإنفاق الحكومي في أوروبا الغربية، قال إنها تواجه خطر تفاقم في الدين يستعصي تسديده. والبطالة وصلت إلى اعلى مستوى لها منذ 12 عاما عند حدود 10%، والركود على الأبواب. والتصنيف الائتماني لها تم تخفيضه، وتستدين البلاد كثيرا حيث ان دفعات الفائدة هي ثاني أكبر بند في الإنفاق الحكومي بعد التعليم.

والفجوة في خزينة الدولة شكلت عنصر إجماع في باريس، فقام فرنسوا هولاند والرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي بجعلها أولوية في حملتهما من اجل إعادة المالية العامة إلى سابق عهدها، حيث يفترض من يكسب الانتخابات توفير 100 مليار يورو من إجراءات شد الأحزمة على السنوات الخمس المقبلة في سبيل سد العجز. وعلى هذه الخلفية، قدم هولاند باني الإجماع الذي سبق له أن علم مادة الاقتصاد والآتي من خلفية المعسكر الاشتراكي الوسطي المؤيد للمشروع الأوروبي، برنامجا مفصولا بشكل مقصود عن التقاليد اليسارية.

وبيانه الرسمي من 60 بندا يتنبه جيدا إلى تجنب ذكر رفع الحد الأدنى للأجور، وزيادة الرواتب أو التباهي بوجود وظائف في القطاع العام. وخطوته الأولى هي معالجة الدين للتخلص مما يوازي 29 مليار يورو من الإعفاءات الضريبية للأغنياء التي فرضها ساركوزي. ثم سيجعل الأغنياء يدفعون حصتهم في أعباء إخراج فرنسا من الأزمة، من خلال رفع الشريحة الضريبية لأصحاب المداخيل الأعلى وزيادة الضرائب على المصارف والشركات الكبرى، وتجميع 20 مليار يورو لمساعد النمو من خلال دعم الأعمال الصغيرة والصناعة والبحوث وإيجاد 150 الف وظيفة للشباب بمساعدة من الدولة.

ولنجاح هذا العمل الموازن والدقيق يحتاج هولاند إلى جعل الاقتصاد ينمو بحلول منتصف ولايته الانتخابية. تحذر صحيفة "لوموند" قائلة: "دعونا نأمل ان تصل توقعات النمو التي يستند إليها مشروعه إلى المستوى المأمول، لكن منذ 2012 لا يوجد شيء أقل يقينا من هذا".

وهولاند يفترض به إيجاد 60 الف وظيفة في التعليم، لكنه تعهد أنها ستأتي من ضغط نفقات دوائر أخرى في الدولة. وعلى الرغم من تضخم القطاع الحكومي لفرنسا، والبالغ 5.3 ملايين عامل، ما يوازي 20% من قوة العمل، قال هولاند انه سوف يوقف قرار إحلال موظف من اصل اثنين من عمال القطاع الحكومي المتقاعدين، ويقول اليمين ان هذا الأمر ينم عن تهور.

وأخيرا، أعلن أن الذين يكسبون مداخيل أكثر من مليون يورو في السنة يتوجب عليهم دفع 75% ضريبة، وهذا يمثل رقما قياسيا في أوروبا. وأخيرا، شدد هولاند على الخطاب المركزي لحملته الكبيرة بأن القطاع المالي "فقد صوابه" ويجب ان يعاد تنظيمه. وفي كتابه، المصير المتغير، شدد على الحاجة للحد من القوة الهائلة للقطاع المالي.

ساويسكي قال ان معركة هولاند في المجال المالي كانت "رمزية" وتتماشى مع الرأي العام على امتداد أوروبا، ولا تختلف تفاصيلها عن حوافز تنظيم القطاع في مواقع أخرى. سيجبر هولاند المصارف على فصل الخدمات المصرفية الاستثمارية عن أعمال البيع بالتجزئة كما في بريطانيا وأميركا. وسيدخل ضريبة مبادلة مالية سبق أن اعلن عنها خصمه ساركوزي اليميني. كما سيحظر على البنوك العمل في الملاجئ الضريبية، وسينظم المكافآت ويلغي خيارات الأسهم المالية ما عدا للمبتدئين. وسوف يزيد الضريبة على أرباح المصارف وسيسعى لإيجاد وكالة تصنيف ائتماني أوروبية.

وإذا كان خصوم ساركوزي قد سخروا منه بأنه الرئيس الذي وعد بإصلاحات ولم يحققها، فإن هولاند حريص على تجنب كلمة "وعد" بالكامل.

بيير موسكوفيسي، مدير حملته، يقول الناس لا يريدون "وعودا سحرية"، وإنما ينشدون تنظيم الوضع في فرنسا. وقال إنه لن تكون هناك وعود كبيرة ومن ثم خيبات امل عندما لا يعود هناك مال، بل توقع سنتين من الجهود الهائلة لإيقاف البلاد على قدميها. قال هولاند انه فيما كان يخوض حملته، لم يكن الناس يسألون عن الوعود بل عن الاحترام.