تبدو جلية النتيجة المحتملة التي ستحدث الدوي الأكبر في انتخابات الرئاسة الفرنسية، وهي فوز اشتراكي يسد الطريق أمام إدارة اقتصادية بأسلوب التقشف لا غير لأوروبا، ويجعل النمو أولوية متساوية من حيث الأهمية لإجراءات الكبح المزمعة للديون المفرطة والعجوزات في الميزانيات.
ومع توقع دخول اقتصاد منطقة اليورو في حالة ركود قريبا، فإن السؤال الوجودي لأوروبا هو كيف سيكون بإمكانها هذه السنة التركيز على التصديق على معاهدة تقتصر أساسا على المزيد من تعزيز مواردها المالية، علما ان الهدف من هذه المعاهدة هو إعادة الاستقامة إلى الأسواق وتهدئة شركائها أصحاب المزاج العصبي.
قضية النمو
فرانسوا هولاندا الذي يتصدر السباق على منافسه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي برقم مضاعف يسجل صوته للاقتراع في 6 مايو المقبل، وقد أخذ على عاتقه قضية النمو وتبناها في حملته. وفي هذا السياق، يمكنه أن يزعم أن عدداً من القادة الأوروبيين الأخرين بمن في ذلك عدد من قادة الوسط الأوروبي ويمين الوسط، يشاركونه قلقه علناً، في الوقت الذي لا يفعل ذلك الرئيس الفرنسي ساركوزي ولا المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل.
وكان هولاند قد اطلق التحذير الآتي: فرنسا لن تصدق على معاهدة إصلاحات تؤسس نموذجا غير مرن لمستقبل الاتحاد الأوروبي الاقتصادي، من دون إضافة بنود تضفي الطابع المؤسسي على توليد النمو والإجراءات الداعمة له.
والتوقعات الاقتصادية المخيفة لأوروبا هذا العام هي توقعات حقيقية بالنسبة للناخبين الفرنسيين، والاشتراكيون يصورون الوضع باعتباره وضعا يرجح كفة دعاة الازدهار والتفتح ضد قوى الركود والعقم.
يقول بيير موسكوفيشي مدير حملة هولاند، ان المستشارة "ميركل" استخدمت ساركوزي الحريص على خدمتها لإيجاد معاهدة مقبولة "من قبل دول أوروبية عديدة تحت القيود وعن طريق القوة". ومارتين أوبري رئيسة الحزب الاشتراكي تشدد على أن دعم الاتحاد الأوروبي لإعادة صياغة للمعاهدة بقيادة فرنسية يعد أمرا مهما.
وتوجد سابقة لإعادة التفاوض في الاتحاد الأوروبي. في عام 1997، وتحت ضغط حكومة اشتراكية فرنسية أساسا، عكس الاتحاد الأوروبي حقولا في قائمة الإرشادات وأضاف بنودا لتوسيع هذه القائمة بالتركيز على الدين ومواصفات العجز. ولقد برزت لاحقاً كمعاهدة الاستقرار والنمو.
ومع الوقت، ومع الإقرار بفشل برنامج لشبونة، فان خطة العشر سنوات لجعل أوروبا الاقتصاد الأكثر حيوية في العالم بحلول 2010، تلك النصوص الخاصة بالنمو لم تتمكن من تحقيق الكثير. لكن أخيرا، ناشد قادة 12 دولة من الاتحاد الأوروبي بما في ذلك إسبانيا وبريطانيا وهولندا والسويد وفنلندا وبولندا وإيطاليا، المفوضية الأوروبية لإعادة أحياء النمو في أوروبا من خلال "قرارات جريئة" تعيد الثقة " في قدرة أوروبا على النمو بقوة وباستدامة".
هل بإمكانهم جميعا الموافقة على القيادة والمصداقية الاقتصادية لرئيس اشتراكي فرنسي جديد؟ يحصل هذا الأمر بصعوبة، اخذا في الاعتبار رفض هولاند التخلي عن قاتل النمو في بلاده المتمثل ب 35 ساعة عمل في الأسبوع، وغموض خطته الخاصة بالتحفيز الاقتصادي لتسريع النمو في الاتحاد الأوروبي.
وكيف ستوقع باقي أوروبا على نموذج مالي ألماني في الوقت الذي صنفت منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية أخيرا إمكانيات النمو لدى ألمانيا لهذا العقد من دون أي إصلاحات جذرية عند نسبة 1.5% وبتراجع إلى ما دون 1% بدءا من عام 2020؟
في عام 2000، كان وزير المالية الألماني هانز ايخل معروفا بادخاره. وبحلول 2003، بعد ان توجه الاقتصاد الألماني إلى الجنوب، صرح علنا ان ألمانيا لا يمكنها الادخار اكثر من ذلك. واقر إيخل ان البلاد كانت "على حدود ما تستطيع الناس تحمله" ومن ثم، إلى جانب المستشار جيرهارد شرويدر خرق قواعد الدين والعجز لمعاهدة الاستقرار والنمو، مما أوجد عنصرا محفزا للازمة التي تدمر أوروبا اليوم.
سلسلة مساومات
وما يؤسف له اليوم، ان أوروبا في حالة من عدم الأهلية ربما اكثر من الماضي: هناك استبعاد أن يتمكن هولاند قيادة أوروبا إلى مسار إعادة النمو لمعاهدة الاستقرار الجديدة، وهناك استبعاد ان يتمكن ساركوزي أو ميركل إقناع كل أوروبا بإمكانية إدارة التقشف والنمو في الوقت نفسه.
ونتائج الانتخابات الفرنسية المرجحة تشير أساسا إلى اتجاه حيث سلسلة من المساومات غير السلسة و"القرارات الكبرى" غير النهائية، التي طبعت تاريخ الاتحاد الأوروبي المتصف بالاحتمالات المضيئة والواقع الملطخ بالسواد.
