وجدت الولايات المتحدة وكوريا الشمالية أرضية مشتركة بينهما. فقد أعلنت واشنطن وبيونغيانغ، أخيراً، أن كوريا الشمالية سوف تتوقف عن الاستفزازات النووية والصاروخية في الوقت الذي ستمضي الولايات المتحدة قدماً في تقديم المعونة الغذائية. هذا الإجماع الظاهر لا بد أن يفتح الباب أمام استئناف المحادثات السداسية المتوقفة.
لاشك أن القراءة المتأنية للموقف تشير إلى أن اللغة التي تصف هذه التطورات متوارية بدهاء. فعلى سبيل المثال، في حين أن الولايات المتحدة وكوريا الشمالية قدمتا في وقت واحد إعلانات متماثلة، إن لم تكن متطابقة، إلا أنهما لم تتوصلا في الواقع إلى اتفاق. وبدلاً من ذلك، ففي إشارة صريحة لانعدام الثقة بينهما، اتخذت الحكومتان إجراءات متزامنة وأحادية الطرف. وقالت كوريا الشمالية إنها ستنفذ قرار وقف التجارب النووية وعمليات إطلاق الصواريخ بعيدة المدى وأنشطة تخصيب اليورانيوم في منشأة يونغبيون النووية، وأنها سوف تسمح بإعادة إدخال مفتشين من الوكالة الدولية للطاقة الذرية لمراقبة وقف تخصيب اليورانيوم، و تعليق العمل في مفاعل المنشأة.
في الوقت نفسه، سوف تمضي الولايات المتحدة قدماً في إرسال حزمة تقدر بـ 240 ألف طن من المساعدات الغذائية (وإبقاء الباب مفتوحا لمساعدة إضافية في المستقبل). لا تزال تفاصيل الصفقة لم يتم التوصل إليها، لكن من المقرر أن يتم رصد المساعدات، وهي دائماً عنصر هام ومثير للجدل، لضمان أن تذهب للأكثر احتياجاً، وليس تحويلها إلى المؤسسة العسكرية. سوف يتم أيضاً تسليم المساعدات على مدى فترة طويلة، وعلى الأرجح خلال عام أو نحو ذلك.
إن الترتيب "العمل مقابل العمل" في لغة الوثائق التي تم إنتاجها في الجولات السابقة من المحادثات متعددة الأطراف، لا تكشف عن الهوة التي تفصل بين دبلوماسيين من البلدين فحسب، بل تدل أيضاً على الخيط الرقيق المشدود الذي كانت تسير عليه إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما في الوقت الذي تكافح للتأكد من أن المساعدات الغذائية والقضايا النووية ستظلّ غير مرتبطة.
لا يعتبر هذا الإعلان من جانب الطرفين إنجازاً. فقد وصفت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون هذا الترتيب بأنه "خطوة أولى متواضعة في الاتجاه الصحيح." وقالت وكالة الطاقة الذرية موافقة كوريا الشمالية على قبول عودة مفتشي الوكالة الذين طردتهم في عام 2009 هي "خطوة مهمة إلى الأمام".
أوجه القصور واضحة. فاستعداد كوريا الشمالية لإغلاق منشأة يونغبيون والسماح بمراقبة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لا يعالج قضية أكثر أهمية من المنشآت الأخرى، وهي المنشآت السرية التي تقوم بتخصيب اليورانيوم. وكان عدم قيام بيونغيانغ بتقديم قائمة كاملة بمنشآتها النووية سبباً لانهيار المحادثات السداسية في عام 2009. والأهم من ذلك، بيونغيانغ لم تبدِ أي استعداد حقيقي سواء للتعامل بجدية مع التزامها بنزع السلاح النووي أو حتى للإشارة إلى الرغبة في مدّ جسور الحوار إلى شريكي واشنطن الدبلوماسيين الآخرين في المنطقة، وهما اليابان وكوريا الجنوبية على وجه الخصوص.
وقد أعرب البلدان عن دعمهما لهذا الإعلان، على الرغم من أنه لايزال هناك قلق في سيؤول بشأن أن هذا يدل على تقدم في الجهود طويلة الأمد لكوريا الشمالية لإقامة علاقة مع واشنطن التي تعمل على تهميش كوريا الجنوبية.
(سيؤول منقسمة بشأن هذه المسائل، فهي تريد مشاركة بيونغيانغ لتحجيم نزعة كوريا الشمالية إلى الاستفزازات، لكنها تخشى أيضا من أن إجراء حوار مباشر بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية من شأنه أن يعرقل المناقشات بين الشمال والجنوب).
يكشف الإعلان الأخير قدراً ضئيلاً عن كوريا الجنوبية "الجديدة" أو الجانب القيادي لرئيسها كيم جونغ أون. فهو لا ينبئ بتحول في التفكير في بيونغيانغ، ولا انفتاح واستعداد جديدين لإشراك الغرب. فقد كانت الولايات المتحدة وكوريا الشمالية تجريان مناقشات حول المساعدات الغذائية في ديسمبر الماضي عندما رحل كيم جونغ ايل الزعيم السابق لكوريا الشمالية، فيما توقع العديد من المراقبين إبرام اتفاق من هذا النوع قبل وفاته.
يبدو هذا الاتفاق، إذن، وكأنه استمرار لمسار سياسي تم تحديده من قبل الزعيم الراحل. وبحلول العام الحالي، الذي يوافق الذكرى المئة لميلاد الرئيس الأسبق كيم إيل سونغ (مؤسس كوريا الشمالية و جد الرئيس الحالي كيم يونغ أون)، وهو العام الذي تبرز كوريا الشمالية "كدولة غنية ومزدهرة"، فإن اتفاقاً يسفر عن مساعدات غذائية لدولة محاصرة من شأنه أن يساعد على تعزيز القيادة الجديدة و يظهر زعيماً جديداً كخلف جدير بالمسؤولية. و أشار غلين ديفيس، وهو كبير المفاوضين الأميركيين في المحادثات: "لم يكن هناك شيء مختلف من ناحية الأسلوب أو الجوهر بشكل كبير فيما يتعلق بالطريقة التي يعرض بها الكوريون الشماليون موقفهم".
الباب مفتوح لإجراء مفاوضات في المستقبل. يتجه الأمل كله لصالح استئناف المحادثات السداسية. لكن لا بد من تخفيف التوقعات. ففي الوقت الذي يشير بيان الرئيس في عام 2005 بالتزام كوريا الشمالية بنزع السلاح النووي، فلا يتوقع أحد أن تتخلى بيونغيانغ عن ترسانتها النووية. فالأمر ينظر إليه على أنه إرث من عهد الرئيس السابق كيم جونغ إيل، والضامن لسيادة كوريا الشمالية، على الأقل من وجهة نظر كوريا الشمالية بعد غزو العراق وتغيير النظام في ليبيا. ومع ذلك، لا بد أن يظل العالم مشاركاً في البحث عن فرص وكذلك إيضاح أن توجيه اللوم لعدم إحراز تقدم سيقع على عاتق بيونغيانغ.
