لم يكن هناك منافس جدي لرئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين في الانتخابات الرئاسية، فالفرص المتكافئة ديس عليها بالأقدام منذ مجيئه إلى السلطة قبل 12 عاما، لكنه للمرة الأولى في حياته المهنية هرول للحصول على دعم شعبي، مع تراجع شعبيته في أكبر مدن روسيا إلى مراتب متدنية لم يعهدها من قبل، وتظاهر أعضاء من الطبقة الوسطى في موسكو بمئات الألوف مطالبين باستقالته.
انكفأ بوتين إلى أوساط الطبقة العاملة في معقل الصناعة الروسية، حيث حققت حملته نجاحات أكثر مما فعلت في موسكو. وكان منطقها كالآتي: لقد أنقذتكم جميعا من الفوضى والفقر، في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي، وأنا الوحيد الذي بإمكانه أن يضمن الاستقرار، وكل أولئك الذين يحتجون ضدي هم جزء من مخطط أميركي لقلب الحكومة. وفي أماكن مثل كورغان، وهي بلدة صناعية على طريق سكة حديد سيبيريا، كان مفعول هذه الرسائل قويا.
لكن حتى في هذه البلدة الصناعية التي تحوي 300 الف نسمة، لم يعد له كثير من المشجعين الأشداء. التقى خلال زيارته لجنة أهل طلبة إحدى المدارس التي يترأسها مدير مصنع محلي يدعى سرجي أوسمانوف، وشاهد مدرسة روسية نموذجية بنوافذها المكسورة وأسقفها التي تتسرب منها المياه. قال له أوسمانوف: منذ ان دخل ابني إلى هذه المدرسة، ونحن نعمل على إصلاح الصفوف من ميزانياتنا، وبدا بوتين متشوقا لإنهاء اللقاء حيث رد بقوله: فهمت، حسنا، اليوم سوف أتحدث إلى الحاكم.
والفضول كان مسيطرا على عمال المصنع الذين سألوا أوسمانوف: هل بدا بوتين واحدا منا؟ هل بدا شخصا مقبولا؟ بعضهم يذكر عندما كانت معدلات التأييد له تفوق نسبة 70%، حين مثل الرجل الروسي القوي، لكن بوتين هذه المرة لم يكن خيارهم المفضل، وبدا بعيدا عن شعبه.
وتذكر أوسمانوف تعبيرا روسيا قديما، الخودوكي، وهو مثال الفلاحين الذي كانوا يذهبون مباشرة إلى القيصر لطلب المساعدة. يقول: كنا كالخودوكي نناشد القيصر لمساعدتنا، لم يتغير الكثير في روسيا.
ويصعب إيجاد شخص يقل عن عمر 60 عاما يفكر على هذا المنوال في موسكو. فالطبقة الوسطى المتعلمة تشكل نصف سكان موسكو تقريبا، ولقد طالب أعضاؤها بانتخابات عادلة ومسؤولين يخضعون للمساءلة وديمقراطية برلمانية، لأنهم لا يريدون قيصرا.
موسكو ليست روسيا
لكن موسكو ليست روسيا. تقول إيلينا غابيتوفا عالمة اجتماع في كورغان: ان النظام الإقطاعي القديم ما زال موجودا في الريف، وقد وضع للتو معطفا ديمقراطيا .
وتضيف: يمكنك اللقاء بكل أصناف الناس، فهناك الذين يكرهون كل شيء حول الحكومة، حيث ان قراهم تفنى، لكنهم مازالوا يدعمون بوتين فقط، وانا لا افهم هذا الأمر.
أسرار المظاهرات
ويصبح لهذا الأمر معنى عند النظر إلى الطريقة التي تتمحور حولها الحياة في بلدة كروغان. فالمصنع الذي يعمل فيه أوسمانوف كورغانستالموست يعتمد على العقود الحكومية لدفع أجور حوالي 3 آلاف عامل يعيشون في مبان سكنية كئيبة بناها المصنع. وصاحب المصنع صديق عائلة مقرب من الحاكم ومعين من قبل الكرملين.
وشخص آخر من أصدقاء الحاكم يسيطر على قنوات التلفزيون المحلي. ومعظم أولئك الفئات المتنفذة إقليميا ينتمون إلى حزب روسيا المتحدة التابع لبوتين ويلائمهم تماما ما يدعوه الروس عمودية السلطة لاختصار سلسلة القيادة الهائلة لبوتين.
ونكران الجميل له ثمنه في السلطة تلك على صعيد تأمين الخدمات الأساسية، وهذا ما جعل الناس يترددون قبل الاحتجاج في الشوارع أو صناديق الاقتراع.
والتظاهرة الأكبر التي شهدتها كروغان كانت داعمة لبوتين، وقد رفعت شعارات تدعو للاستقرار. وقد أمنت حملة بوتين تشجيعا لها، عندما نشرت الصحف إعلانه زيادة كبيرة على رواتب الأساتذة، فيما هو في طريقه إلى البلدة، وشراء الأصوات كان قد أودى بالميزانية الاتحادية إلى تسجيل أول عجز خلال عقد من الزمن.
الخوف سلاحاً
أما السلاح الآخر لحملته، فقد كان الخوف. قبل يوم من وصوله إلى كروغان، بث تلفزيون الدولة برنامجا قال فيه إن الغرب يحاول قلب الحكومة من خلال وكلائه.
وكدليل على ذلك، أظهر صورا لناشطين مناهضين لبوتين في زيارة إلى السفارة الأميركية في موسكو وبث مقتطفات من كلام هجومي للسناتور الأميركي جون ماكين يقول فيه: عزيزي فلاديمير الربيع العربي آت. وفحوى البث ان هناك قوتين في روسيا: أولئك الذين يريدون اضطرابات كبيرة وأولئك الذين يريدون روسيا عظيمة.
ولم يسبق أن تهجم بوتين على أميركا كما في هذه الحملة. يقول بول ساوندرز في مركز المصالح القومية في واشنطن: ان ولاية جديدة لبوتين قد تكون اكثر تشددا من سابقاتها وبوتين الضعيف سيواجه المشكلات نفسها في الحكم، الأمر الذي سيدفعه لمناشدة الوطنيين الروس حيث قد يجد صعوبة أكبر في المضي في سياسات قد تثير ضغينتهم.
ويقول فاسيلي كستلتسن رئيس فرع الحزب الشيوعي في كروغان ان موجة العداء لأميركا كانت حركة رائعة لبوتين، حيث أصبح الناس فعلا خائفين من ربيع عربي روسي.
بوتين يحظى بدعم رجال مثل أوسمانوف مدير المصنع منذ عام 1998 الذي ما زال يذكر كيف أن الأجور لم تكن تدفع خلال الأزمة المالية ويقول: بوتين أنقذنا من تلك الأزمة. زوجة أوسمانوف تعمل في المصنع وأولاده يريدهم أن يعملوا في المصنع بعد الانتهاء من دراستهم.
ويقول: الدولة لا تحتاج إلى ان تعلم أولادنا لكنها تفعل ذلك. قد تكون النوعية سيئة، والمدارس في شكل رهيب، لكن لدينا مدارس، هذا أمر إيجابي لبوتين، ومثل هذا التفكير ليس من نوع العبادة أو الدعم من القلب.
