كانت الطبقات العليا والوسطى في الهند، جزءا من مجموع 150-200 مليون نسمة استفادوا ماديا من التغييرات الاقتصادية للعقدين السابقين، وكمجموعة اعتقدوا بحزم أن الهند كقوة عظمى على درب نمو لا نهائي. وهؤلاء الناس الذين تتراوح انتماءاتهم من رجال أعمال فاحشي الثراء إلى ذوي أجور من الطبقات الوسطى، كان بإمكانهم في كثير من الأحيان إظهار تمايز محدود أو تناقض صريح في أحاديثهم الشخصية، من المسؤول الحكومي الذي عبر عن تفهمه للمجموعات ذات التوجهات اليسارية المتطرفة التي تحارب الحكومة وشركات التنجيم في وسط الهند، إلى النادلة في مطعم دلهي الراقي التي تمنت، على الرغم من ترقيها السلم الاجتماعي ظاهريا، أن تكون لها حياة والدتها الأقل وفرة لكن المستقرة كأستاذة مدرسة في احدى المقاطعات.

لكن ما كان واضحا في أحاديث الأفراد بالكاد كان صحيحا على صعيد الجموع، ففي الخطاب الشعبي الصادر عن الطبقات العليا والوسطى في الهند، في الصحف والبرامج الحوارية وعلى موقع تويتر وفي المسلسلات التلفزيونية، وفي التعليقات التي تغرق المواقع الإلكترونية، فإنه لا احد يجرؤ على تقديم ملاحظات مخالفة للتيار العام، حيث تضمحل مثل هذه التناقضات، ليحل محلها إيمان راسخ، أشبه بالتعبد، بقصة نجاح الهند. وفي هذه النسخة من الهند المعاصرة، فان الثروة المادية للطبقات العليا والوسطى بإمكانها فقط أن تستمر في النمو، والمرتاح على وضعه سيزداد غنى، والغني سيزداد ثراء.

 أما بالنسبة للفقراء الذين يعيشون على 50 سنتا في اليوم، ويشكلون ما يوازي 77% من إجمالي السكان تقريبا بحسب تقرير حكومي، فإن أوضاعهم ستتحسن، وإذا لم يحصل ذلك، فلا يمكنهم إلا أن يلوموا نقص القدرة والجهد والكفاءة لديهم.

وعندما انفجرت سلسلة من الفضائح في 2010، كان رد فعل النخبة الهندية التركيز على فساد الحكومة والسياسيين. صحيح أن المسؤولين الحكوميين والسياسيين كانوا معنيين بالفضائح، التي تضمنت الإنشاءات غير مطابقة للمواصفات للمباني العائدة لألعاب الكومونولث والمخالفات المتضمنة في مزايدات الهاتف الجوال الذي كاد أن يكلف الخزانة العامة الهندية 39 مليار دولار، لكن الشركات ووسائل الأعلام كانت متورطة أيضا في هذا الفساد، كما بدا واضحا من الفضائح الأخيرة، ومنها تنصت دائرة ضريبة الدخل على المكالمات الهاتفية على شركة بريطانية هندية تدعى نيرا راديا، لكن على الرغم من ذلك، فإن دورها اضمحل في حركة محاربة الفساد بزعامة آنا هازار السنة الماضية. والى جانب الشركات ووسائل الإعلام، كانت الطبقات الوسطى والعليا الهندية مؤيدة بحماس لهازار، وهو جندي سابق ومصلح اجتماعي كان مطلبه الرئيسي إيجاد محكمة لديها سلطات تطبيق القانون على الحكومة والهيئة التشريعية.

وحركة هازار تلاشت، لكن تبقى فكرتها الرئيسية حول فرادة كفاءة الطبقات الوسطى والعليا الهندية. وهذا وهم يذكر بوهم الطبقات الوسطى والعليا في الولايات المتحدة.

ونقص الوظائف في أميركا، الذي أثر في الصناعة وقطاع الخدمات في السابق، وبالتالي على الأميركيين الأفارقة في المدن الداخلية، والمهاجرين الفقراء والبيض في الريف، بات يؤثر الآن في حياة الطبقات العليا والوسطى وحتى في حياة أصحاب الشهادات الجامعية المكلفة ماديا.

وهناك من كان يحظى بتعليم خاص في المدارس، وبمنزل ضخم في الضواحي، وبأجر مرتفع، وأصبح عاطلا عن العمل، ومنزله وقع تحت دفعات رهن لا تنتهي، والأزمة لم تؤثر في الشباب فحسب، وإنما أصابت أيضا شرائح مختلفة من المجتمع.

ومن المؤسف رؤية أناس يكافحون في ظل أوضاع من اليأس. لكن هذا الأمر سمح لجزء هام من الأميركيين بالتخلي عن الشعور بالرضا عن الوضع القائم وعن الإيمان بأنهم سيستمرون في الازدهار لانهم يستحقون ذلك، وبأن السوق سوف تعاملهم دوما بإنصاف.

وفي الهند، تصرخ النخب بصوت أجش مطالبة بتقليد أميركا في ثروتها وثقتها المتبجحة، ومركباتها من طراز هامر وغيره، حتى مع زوال هذه ال أميركا عن الوجود. فقد وصل المصير إلى نهاياته في أرض المصير، ويبدو أنها مسالة وقت فقط قبل ان يتبين صحة الشيء نفسه بالنسبة للطبقات الميسورة في الهند.