يجري في الوقت الراهن تدمير الديمقراطية في اليونان. ليس على يد جنود يزحفون بشعارات جنونية تتردد على شفاههم حول الانتصار الحتمي للعرق الألماني المتمتع بالسيادة أو البروليتاريا العالمية أو الجهاد العالمي، ولكن على يد رجال ونساء معتدلين يعتقدون أنهم في مأمن من الهيجان الإيديولوجي. فأعداء اليونان جُدد، و لكنهم ليس أقل ترويعاً بفعل هذه الحقيقة، فهم متطرفون بأساس وسطي، وهم المحترمون الذين يريدون شغباً.
وأياً كانت طريقة نظرك للمسألة، فلا يمكن لليونان أن تنتصر. فلا يمكن لخطة الانقاذ من جانب الاتحاد الأوروبي أن تؤدي الوظيفة الأولى للإنقاذ و حماية المتألم من المعاناة. فالألمان، بمساعدة الهولنديين والفنلنديين، يدفعون اليونان باتجاه دوامة الموت. فالاتحاد الأوروبي يطالب اليونان بخفض 150 ألف وظيفة عامة على مدى ثلاث سنوات.
وهو ما يعادل قيام الحكومة البريطانية بخفض 800 ألف وظيفة من القطاع العام في بريطانيا، منسوبة إلى عدد السكان. يجب على الساسة اليونانيين أيضاً أن يقبلوا دونما اعتراض بخفض 22٪ من الحد الأدنى للأجور، و إجراء مزيد من التخفيضات في خدمات دولة الرفاه.
ركود دائم
تعاني اليونان حالة ركود دائم. فقد انكمش اقتصادها بنسبة 7٪ خلال الأشهر الثلاثة حتى ديسمبر 2011. وتدهورت أوضاع عشرات الألوف من الشركات العائلية هناك. وتقدم أوروبا الآن خطة لإنعاش اليونان من خلال إفقارها، وهي محاولة لمداواتها من خلال إلحاق الضرر بها. و بحسب المقولة المشهورة للمؤرخ اليوناني تاسيتس بشأن المحاولة الأولى من قبل الفيالق الرومانية لفرض اتحاد أوروبي: لقد جعلوا من المدن صحراء و سموا ذلك سلاماً .
ويظل أمراً معلقاً ما إذا كان بإمكان المجتمع اليوناني أن يصمد أمام الضغوط لا تزال مسألة مفتوحة. فأحزاب اليسار واليمين المتطرفة تشهد ازدهاراً في استطلاعات الرأي العامة، في الوقت الذي يعتبر الجمهور أن ساستهم الوسطيين خونة لمحاولتهم تهدئة الاتحاد الأوروبي المتسم بالعداء.
كانت آخر مرة سُئلت فيها ليانا كانيلي، المتحدثة باسم الحزب الشيوعي اليوناني، حول الأزمة في بلدها، استشاطت غضباً حول طريقة تدخل حلف ناتو في عام 1999 لوقف القوميين الصرب عن ذبح المسلمين في كوسوفو والتي اعتبرت مؤامرة امبريالية للتوسع بالرأسمالية في دول البلقان.
إلا أن مواطنيها اليونانيين لم يعودوا يعتبرون كانيلي وأمثالها حمقى خطيرين. وذلك لأنهم يعارضون الاتحاد الأوروبي، فإن المهووسين من اليساريين و العنصريون من اليمينيين هم أكثر أهمية بالنسبة لليونانيين من ساستهم. وأوجه الشبه مع عقد الثلاثينات واضحة للغاية.
خطة الانقاذ
ومهما كانت النتائج السياسية، فجميع المعلقين الماليين العقلاء يدركون أن الاقتصاد اليوناني لا يمكن أن يتحمل أكثر من ذلك. فسوف تدفع به خطة الإنقاذ إلى مستوى أكثر عمقاً في المستنقع. و شروط الاتحاد الأوروبي لا تتناسب مع حالة الإيثار التي أبدتها الولايات المتحدة إزاء الألمان المنهزمين بعد عام 1945.
فلم تتسبب أميركا في إفقار الألمان الغربيين، على النحو الذي كان يريده الكثيرون في فرنسا و في واشنطن بالفعل. فقد ضمنت لهم أميركا الأمن، ثم قدمت لهم القروض بموجب خطة مارشال التي سمحت بانطلاق المعجزة الاقتصادية لألمانيا الغربية. فلم تقم اليونان بغزو أحد و لم ترتكب جرائم ضد الإنسانية. ومع ذلك، فإن الاتحاد الأوروبي، الذي يفتخر بأن التضامن هو مبدأ تأسيسه، يجبرها على الفقر المدقع والفوضى.
و البديل عن الإذعان لمطالب سادتها الألمان ليست أفضل بشكل ملحوظ. فلو أن اليونان بصدد ترك منطقة اليورو، لكانت هناك مئات الآلاف وربما الملايين من الدعاوى القضائية، حيث أثير الجدل بين الأطراف المتنازعة حول ما إذا كان ينبغي الوفاء بالعقود وفقاً للعملة القديمة أم الجديدة. ربما يلقي التضخم المفرط بظلاله. وربما ينهار النظام المصرفي الأوروبي. و كما يقول وزير الخارجية البريطاني وليام لاهاي، فإن مصير اليورو هو التعرض للاحتراق دون وجود مخارج للنجاة.
لا يمكن للاتحاد الأوروبي أن يتحمل مسؤولية ما قام به و يكون رحب الصدر لأسباب التي ربما لا يستوعبها القرّاء البريطانيين. كوننا ترعرعنا في بلد أوروبي تسوده الريبة، فإننا لا نفهم كيف كان الالتزام التام تجاه المشروع الأوروبي بمثابة علامة على الاحترام في القارة الأوروبية.
مثل الذهاب إلى دار العبادة وترتيل الأدعية من أجل الأجيال السالفة، فإن الإظهار العلني للالتزام تجاه الاتحاد الأوروبي أكد على أن العالم شهد أنك مواطن جدير بذلك. فلو كنت تريد المضي قدماً بالأحزاب الحاكمة و السلطات القضائية والبيروقراطيات و القطاعات الثقافية في أوروبا، كان عليك الانضمام إلى الاعتقاد بأن اتحاداً أكبر حجماً كان جديراً بالاهتمام على نحو بديهي.
وتعد الوحدة النقدية، بشكل بديهي، كارثة. و الاعتراف بذلك من شأنه أن يجلب فقداناً لماء الوجه أكبر بكثير من أن تتحمله النخب الأوروبية. ولنأخذ المثال الأكثر خزياً، حيث استفادت ألمانيا وهولندا بشكل كبير من العملة الموحدة من خلال الإبقاء على سعر الصرف منخفضاً بالنسبة لبضائعهما، في حين تم فرض حواجز جمركية فعالة على جنوب أوروبا.
وبدلا من القول: نحن أغنياء لأنهم فقراء، فقد عمدت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل وزملاؤها قساة القلوب إلى تقليد قارئ مجلة بيلد المتعجرف والأناني، الذي يرى أن مشكلات الأجانب كان يمكن حلها في حال توجههم إليه. وتصر ألمانيا على أن الأزمة اليونانية هي نتيجة لفساد الحياة العامة اليونانية. السياسة اليونانية فاسدة مما لا شك فيه، على الرغم من إضافة القول إن أول ضحايا الفساد هم اليونانيون الفقراء الذين لا يستطيعون تكبد رشوة مسؤولين أو إخفاء مدخراتهم عن موظفي الضرائب.
