لم تكن الصين متطورة، وكانت حقول الرز والمصانع البدائية تشغل من قبل عمالة يدوية بعدد محدود جدا من الآلات، ولقد عمل عدد هائل من الفلاحين تحت ظروف صعبة وقاسية. وعندما سئل الزعيم الصيني الراحل تشو إن لاي، عما إذا كان بإمكان الصين أن تكسب من المكننة والتحديث، جاءت إجابته غريبة وقال: «لكن ماذا سنفعل مع الشعب بعدئذ؟».
هل كان بالإمكان تصور هذا التحول الذي أدى لاحقا إلى تغيير وجه الصين، أو تصور كيف سيغير حياة الشعب الصيني؟
تساؤل
وعندما سئل الفلاحون في تلك الفترة عن تطلعاتهم في الحياة، طرحوا قائمة من ثلاثة أشياء: دراجة هوائية وماكينة خياطة ومذياع، واليوم، إذا وجه السؤال نفسه لمواطن عادي في أي مدينة صينية، فإن إجابته قد تكون: شاشة تلفاز كبيرة مسطحة، وسيارة جديدة، وأحدث أجهزة الكمبيوتر المحمول أو الأجهزة اللوحية الإلكترونية. وتظهر أحدث البيانات المتوافرة اليوم أن أكثر من 51% من إجمالي عدد سكان الصين البالغ تعدادهم 1.3 مليار نسمة يعيشون في المدن، ويعملون في المصانع والمباني المكتبية ويسكنون في مباني سكنية شاهقة الارتفاع بعيدا عن الحياة الريفية.
وللبلاد بنية تحتية حديثة من الطرق والجسور والاتصالات، وهي تنتج ثروة من السلع للداخل الصيني وللتصدير إلى باقي العالم الذي كان قد نبذها فيما مضى، باعتبارها دولة من العالم الثالث غير واعدة.
وقد قام الشعب الموهوب والكادح بكل هذا في ظل نظام سياسي شيوعي اتسم بالقسوة والدكتاتورية. والسؤال المطروح: إلى متى يستطيع أحد الأنظمة الشيوعية الأخيرة في العالم أن يبقي في العبودية شعبا ازدهر وانتعش في ظل نظام اقتصادي لديه بصمات كثيرة من نظام المشاريع الحرة ؟
وعلى الرغم من محاولات الحكومة التحكم بتدفق المعلومات والرقابة على الإنترنت، فإن عدد السكان الهائل والقاطن في المدن حديثا يعي جيدا ما يجري في العالم الخارجي والتغيرات التي تكتنفه.
والربيع العربي الذي شهد انتفاضات على امتداد العالم العربي السنة الماضية أطلق تحركا قصير الأمد لـ«ثورة ياسمين» في الصين. ولقد تم قمع هذا التحرك على الفور من قبل قوات الأمن الحكومية، واعتقل كل من اعتقد بتورطه في التخطيط للاحتجاجات والتظاهرات.
ونظام بكين استهدف مرارا الناشطين في مجال حقوق الإنسان والديمقراطية، وفرض على بعضهم أحكاما بالسجن تصل إلى عقد من الزمن. والأبرز بين هؤلاء كان ليو كسياوبو، وهو كاتب ومثقف ساعد في كتابة بيان يدعو إلى الإصلاح القانوني والسياسي في الصين بهدف إقامة نظام ديمقراطي، وقد منح جائزة نوبل للسلام في الوقت الذي كان يخدم فيه أحكاماً مطولة بالسجن.
وقد قال السفير الأميركي في الصين، غاري لوك، في مقابلة تلفزيونية أجريت معه أخيرا، إن القمع القوي للاحتجاجات أصبح أكثر قسوة في الشهور الأخيرة، حيث تخشى الحكومة الصينية انتفاضات تحفز عليها ثورة الربيع العربي.
وعلى الحدود الصينية، فإن ميانمار أو بورما بعد سنوات عديدة من الاستبداد العسكري تبتعد عن هذا الحكم في مثال آخر للاتجاه نحو التغيير الديمقراطي. وليس مثقفو الريف بمفردهم يسببون المشكلات للحكومة الصينية، فقد اندلعت احتجاجات عدة في المناطق النائية، أخيرا، بعد محاولة المسؤولين المحليين الاستيلاء على أراضي الفلاحين.
اختبار الديمقراطية
ويبدو أن قوى الأمن لديها كثير من العناصر والاستخبارات لاختراق أو إحباط أي محاولة جدية لتغيير نظام الحكم.
لكن كما تقول إليزابيث إكونومي، مديرة الدراسات الآسيوية في مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك «إذا لم ينتج الإنترنت ثورة في النظام السياسي الصيني، فإن شبكة الإنترنت بحد ذاتها تعد نظاما سياسيا افتراضيا»، يزود الناس بالأخبار حول فساد الحكم، وأي تكتيم على الفساد ينتقل كالفيروس في غضون دقائق. لقد حققت الصين تقدما اقتصاديا استثنائيا. ولو بقي تشو إن لاي حيا إلى اليوم، لقيل له ردا على تساؤله عما يمكن أن يفعله مع شعبه إذا دخلت إلى الصين المكننة: «دعهم يختبرون الديمقراطية». الخطوط الحمراء
تمثل منطقة آسيا ـ المحيط الهادئ ساحة مهمة بالنسبة لأميركا. وأهمية تلك المنطقة لا تعود فقط لكونها مركز القوة الاقتصادية للعالم، لكن أيضا لأنها المنطقة التي يجري السعي لاستعراض القوة الأميركية فيها، لكن بما أن الصين وأميركا بإمكانهما التسبب بدمار اقتصادي متبادل مؤكد، حيث تحوز الصين على ما يوازي تريليوني دولار من سندات الخزانة الأميركية وديون الرهن العقاري، وتشكلان قوتين عظميين، فإن الأمر الأكثر أهمية للطرفين يفترض أن يكون إدراك الخطوط الحمراء لكل منهما.
ومن جهة أخرى، يفترض بالرئيس الأميركي باراك أوباما أن يكافح لإيجاد الظروف التي تمكن الرئيس الصيني المتوقع انتخابه كسي جينغ بينغ ان يلعب دور المصلح، وإلا فقد تجد أميركا دوره في الداخل محافظا جدا، تماما كما سياسته المعلنة تجاه التبت السنة الماضية، والداعية إلى مقاتلة الناشطين الانفصاليين لمجموعة الدالاي لاما.
