تشهد القاهرة توتراً واستقطاباً هذه الفترة. ويسعى المجلس العسكري الحاكم في مصر لإيجاد طريقة لحل الكثير من المشكلات السياسية والاقتصادية التي تعاني منها البلاد منذ سقوط الحكومة القديمة. فقد اتحدت مختلف الأحزاب السياسية والجماعات التي تعارض الحكم العسكري رغم كونها منقسمة فيما بينها في ظل توتر الأمور في مصر. فيما يحاول الإخوان المسلمون البقاء بعيدين عن خط النار من خلال عقد صفقات مع المجلس العسكري.
وعلى الرغم من الآمال التي بنيت على تشكيل البرلمان والوعد بتشكيل دستور جديد، لا يزال الموقف في مصر غير مستقر بدرجة كبيرة. فالأحداث التي تمر بها البلاد مع مطلع العام 2012 تذكرنا بالأحداث في أواخر عام 1954، عندما وحّد الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر وزملاؤه العسكريون المعروفون بالضباط الأحرار سيطرتهم على البلاد.
وفي الحقيقة، لو أن الثوار المصريين الذين خاضوا معارك مع الشرطة والجيش على امتداد الشهور القليلة الماضية أغمضوا أعينهم بالقدر الكافي، ونسوا قناة الجزيرة ومواقع التواصل الاجتماعي مثل تويتر وفيسبوك، وتخيلوا أنفسهم وسط حشود من طلاب يخوضون معركة حامية مع قوات الأمن على كوبري قصر النيل في القاهرة في نهاية شهر فبراير من عام 1954 بينما كانوا يشقون طريقهم إلى قصر الرئاسة مطالبين الرئيس عبد الناصر بتحويل الدولة إلى حكم مدني.
إن تاريخ مصر ليس صورة للمستقبل. ولكن حتى يتجنب المصريون تكرار هذا المسار الكارثي في الماضي، سيحتاجون إلى إيجاد وسائل تمنع العسكر من فرض رغبتهم على المجتمع كما فعل عبد الناصر خلال عقد الخمسينات من القرن الماضي.
الأحداث التي شهدتها مصر منذ شهر يناير عام 2011، عندما خرج ملايين المصريين إلى الشوارع لإسقاط نظام الرئيس المصري السابق حسني مبارك في الحادي عشر من فبراير 2011، هي أحداث غير عادية. فليس من المفترض أن يسقط الشعب الحكام المصريين، بل يفترض بدلاً من ذلك أن يقوموا ببناء الأهرامات تخليداً لذكرى هؤلاء الحكّام.
لكن حقيقة أن العام 2012 يشبه ما حدث في عام 1954 لا يتعين أن تكون بمثابة مفاجأة تامة. وفي نهاية المطاف، فإن اللاعبين، هم الجيش وجماعة الإخوان المسلمين من جهة، والطلاب الناشطون والشباب والأحزاب السياسية من جهة أخرى.
فمثلما فعل المجلس الأعلى للقوات المسلحة في الوقت الحاضر، بالمساعدة في دفع مبارك للتنحي، فقد فعل الضباط الأحرار الذين أطاحوا بالملك فاروق في يوليو 1952، وهم الذين لم تكن لديهم خطة لكيفية حكم البلاد إلا بعض النزعات نحو الإصلاح.
ومن المؤكد أن الحركات العمالية واليسارية لعبت دوراً أكثر بروزاً في معارضة الضباط الأحرار مما تقوم به الآن في معارضة العسكر، لكن الديناميكيات السياسية في مصر قد تغيرت. الثوار والناشطون اليوم في مصر يحملون المطالب نفسها بالعدل الاجتماعي والكرامة الوطنية وحكومة تمثلهم، تماماً كما فعل المعارضون للعسكر قبل ستة عقود.
وبعد شهر عسل قصير مع الطبقة والرأي العام السياسي التي كانت تعتبر عبد الناصر ورفاقه على أنهم منقذون، فقد بدأت حالة من عدم الثقة من جانب المعارضين للضباط الأحرار؛ من أن هؤلاء العسكريين يحنثون في وعودهم بالقضاء على الفساد السياسي والتعجيل بتسليم السلطة إلى مدنيين.
ورداً على الإصرار من جانب الحركات المعارضة المنظمة واليساريين والأحزاب السياسية والحركات الطلابية التي تقاوم الضباط الأحرار، فقد قام العسكر آنذاك باستخدام مجموعة من الإجراءات القهرية، المتمثلة في القوة المفرطة والمحاكمات العسكرية، لإخضاع المعارضة، التي أعقبتها سلسلة من الأحكام والمراسيم، والتشريعات التي تحول دون المزيد من التحديات ضد سلطة الضباط الأحرار. وكانت تلك المؤسسات تتسم بالقمعية، حيث شكّلت الأساس لسياسات غير ديمقراطية في مصر على مدار الستين عاماً التالية.
لقد شهد العالم تغيراً دراماتيكياً منذ قيام الضباط الأحرار بفرض حالة عدم الاستقرار في شوارع القاهرة لتبرير حكمهم. ولا يزال إدراك الأنماط السياسية للماضي يطرح رؤية حول سبب وطريقة قمع القادة للمطالب من أجل الحكم الديمقراطي.
وتتناقض مصالح المجلس العسكري بشكل واضح مع السمات الأساسية للديمقراطية، التي يكون بموجبها الشعب هو مصدر الشرعية.
وأن تخضع الأنشطة العسكرية للرقابة المدنية، وأن السياسات غير قابلة للتنبؤ. ويخشى النشطاء المصريون من نوايا العسكر والإخوان، الذين تعتبر مؤهلاتهم الديمقراطية فوق التوبيخ. فالرأي العام المصري الأوسع قام، من خلال المشاركة في الانتخابات البرلمانية الأخيرة، باتخاذ الخطوة الأولى لمنع المجلس العسكري الأعلى من إعادة تنصيب نظام سياسي سلطوي في البلاد. وأراد المشير طنطاوي بهذه الانتخابات نتيجتين متناقضتين.
هما إقبال قوي على التصويت وبرلمان ضعيف يسهل التلاعب به. وبدلاً من ذلك، فإن نتيجة الانتخابات البرلمانية، التي بلغت نسبة التصويت فيها 54% من عدد الناخبين وفقاً لبيانات لجنة الانتخابات المصرية، تعني أن أعضاء مجلس الشعب المصري الجدد يمكن أن يحظوا بالقدرة على مقاومة العسكر.
