أبدى بعض الأشخاص في الخارج، الذين تأثروا باحتجاجات ميدان التحرير في مصر التي اندلعت في العام الماضي، وبقدرة المصريين العاديين على الإطاحة بالدكتاتور الذي أمضى فترة طويلة في حكم بلادهم.
دهشتهم عندما بدأت الحكومة الانتقالية في مصر في شهر ديسمبر الماضي في استهداف منظمات حقوق الانسان بتهمة أنها عميلة لحكومات أجنبية (أو غربية). ولكن ليس هناك ما يدعوهم الى الدهشة. و يتمثل الدرس المهم للعملية «الانتقالية» المتواصلة في مصر في أنه يظل صعباً حتى الآن على الحرس القديم أن يتأقلم مع التحرك الجديد.
تتهم السلطات المصرية أكثر من 40 شخصاً بإدارة منظمات غير حكومية من دون ترخيص، وبتلقي تمويل أجنبي بشكل غير قانوني. ومن بين المتهمين 19 أميركياً، منهم سام لاهود من المعهد الجمهوري الدولي الذي يتخذ من العاصمة الأميركية واشنطن مقراً له، وهو نجل وزير المواصلات الأميركي راي لاهود. فهذه القضية ليست إلا مثالاً واحداً على المدى الذي وصلت إليه الثورة المصرية في تطوراتها.
فقبل عام واحد، وبعد إقصاء الرئيس المصري السابق حسني مبارك عن السلطة، كان النـــشطاء المصريون الأقل رغبة في الثقة بالمـــجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم في مــصر يؤمنون بأن العسكر أدركوا أن البلاد لا يمكن أن تستمر كما هي لستة عقود أخرى، وأنه لا بد من المشاركة في السلطة، و أن الديمقراطية تتطلب ما يتجاوز مجرد إجراء انتخابات منظمة على عجل.
وتابع النشطاء وبقية المواطنين المصريين العسكر وهم يقفزون على عربة «ثورة 25 يناير» ويؤدون التحية لنضال الشهداء الشباب.
واقتنع المحتجون بأن لديهم تفاهماً غير مكتوب مع المجلس الأعلى العسكري على أن يحتفظ الجيش بنوع من النفوذ السياسي، وببعض الأصول التجارية التي جمعها على مدى السنين، مقابل الموافقة على تمرير السلطة السياسية إلى حكومة مدنية تعددية بعد فترة انتقالية وإصلاح مؤسسات الدولة واحترام حقوق المواطنين في التجمع.
وخلال الشهور التالية، تغيرت الأفكار وتبخرت التفاهمات. وعندما قام الجيش بقتل أكثر من عشرين مصرياً مسيحياً من النشطاء في شهر أكتوبر الماضي، تبدد الوهم علناً. وتسببت الاشتباكات بين النشطاء وقوات الأمن خلال شهري نوفمبر وديسمبر الماضيين في ازدياد الأرقام.
ومع قرب انتهاء العام 2011، أصبح واضحاً أن قادة المجلس العسكري الأعلى، الذين ارتقوا في البداية لمناصب مهمة عبر ولائهم الشديد لحسني مبارك، قد بدأوا يعملون بما يوائم وجهة النظر الدولية الاستبدادية لزعيمهم السابق.
وقام المجلس خلال العام 2011 بتجميد قادة الاحتجاج وتوصلوا إلى اتفاق منفصل مع الإخوان المسلمين يمنح الأحزاب الإسلامية المختلفة موقعاً مسيطراً في صياغة السياسة الداخلية المصرية، بينما يبقى الجيش مسؤولاً عن السياسة الخارجية والعناصر الرئيسية للاقتصاد المصري. وفاز الإسلاميون، بمن فيهم الإخوان المسلمون، بحوالي ثلثي المقاعد في البرلمان نتيجة الانتخابات النيابية الأخيرة. وأصبح المحتجون أكثر مواجهة.
الإجراءات المتشددة ضد الجمعيات غير الحكومية تكشف التفاهمات المكتومة بين الإخوان المسلمين والمجلس الأعلى. وظهرت على السطح اتهامات بأن الجماعات الإسلامية حصلت على تمويل أجنبي أيضا من دول مجاورة، إلا أن المجلس الأعلى العسكري لم يتخذ أي إجراء ضدها. والذين جرى استهدافهم هم الجماعات التي تدعو الى احترام حقوق الإنسان، والتي انتقدت المجلس الأعلى للقوات المسلحة.
واذا كانت الجمعيات غير الحكومية قد انتهكت القانون، فإنها قوانين فترة مبارك. وقد عدل المجلس الأعلى قوانين الانتخابات وتشكيل الأحزاب السياسية، الا أن عدم استعداده لقبول المجتمع المدني يظهر حدود رغبته في عدم التغيير.
عدم المرونة من جانب العسكر يسيء إلى مستقبل مصر. وصارت جماعة الإخوان الساعية الى الاستمتاع في النهاية بحصة في السلطة الرسمية، الشريك القوي للجيش. ولكــــن لا يبـــدو أن أيـــــاً مـــن الطرفين يدرك أن الانتخابات وحدها لا يمكن أن تكفل الاستقرار.
ويؤكد ذلك شعبيتهم العريضة ونفوذ تلفزيون الدولة، وخاصة خارج المدن المصرية الكبرى، أن الجيش والإخوان المسلمين يمثلون «الغالبية الصامتة». إلا أن أصوات الأقلية ستظل مندفعة من دون توقف، والاحتمالات تشير إلى أن حدة أعمال العنف آخذة في التصاعد.
