يتمسك الباحث الأميركي من أصل ياباني فرانسيس فوكوياما بوجهة نظره القائلة بأن الديمقراطية الليبرالية هي النموذج الوحيد الناجح في العالم على الرغم من عيوبه، ويؤكد في حوار أجرته معه مجلة «دير شبيغل» الألمانية أن الصين، في المقابل، لا تمثل نظاما بديلا، وهو يشدد على أن تجاوزات الرأسمالية تشكل تهديداً كبيرا للديمقراطية، ويفصل القول في الأسباب والمبررات الكامنة وراء ذلك، داعيا إلى تبني استراتيجية أميركية جديدة لحماية الطبقات الوسطى في ظل العولمة، طارحا تساؤلات عن السبب في عدم وجود «حزب شاي» على الجانب اليساري من المعادلة السياسية. وفي ما يلي نص الحوار:

لقد حصدت شهرتك من مقالة «نهاية التاريخ» حيث أعلنت الديموقراطية الليبرالية هي النموذج الدولي الظافر، الآن أبحاثك الأخيرة تذهب على أن عيوب الرأسمالية والعولمة يمكنها ان تهدد هذا النموذج الديمقراطي.

إن استخدام كلمة رأسمالية هو استخدام خاطئ هنا، لأنه لا يوجد بديل للرأسمالية قابل للحياة. وما نتحدث عنه هنا يطال النمو الاقتصادي وتنمية المجتمعات الاقتصادية الحديثة فقط، حيث تركيبة من العوامل بدأت في تحدي تقدمهما في الولايات المتحدة، كانت لدينا تطورات تكنولوجية حلت محل العمالة ذات المهارة المتدنية، وجعلت كثيراً من الناس في الديمقراطيات الغربية يخسرون وظائفهم.

هذا هو السبب في أن دولا مثل أميركا وبريطانيا ترغب في تحويل نفسها إلى اقتصادات «ذات توجه خدمي»؟

تبنينا من دون تفكير نسخة معنية من العولمة افترضت أنه يتعين علينا أن نتحرك بسرعة إلى عالم ما بعد تصنيعي. وفي سياق قيامنا بذلك، نسينا ان مجمل السبب لعدم انطلاق الاشتراكية في أميركا واقع أن الاقتصاد الحديث يبدو أنه ينتج مجتمعات الطبقة الوسطى، وينجح في صناعات تمت إزالتها في بلداننا، ونقلت إلى بلدان مثل الصين.

لكن أعضاء الطبقة الوسطى كانوا يرون مداخيلهم تتراجع، والتفاوت في الدخل في الدول المتطورة هو اكبر من أي وقت مضى. ما تأثير ذلك على مجتمعاتنا؟

الأمر لا يبدو جيدا بالنسبة للديمقراطية, إذا كان الدخل موزعاً بشكل متساو نسبيا، فإنه يوجد شعور أكبر بالانتماء إلى المجتمع، ولا يكون هناك مجموعات لديها حق الوصول إلى النظام السياسي مع إمكانية استخدامه من أجل تحقيق مصالحها.

وما ستراه في ظل ديمقراطية بطبقة وسطى ضعيفة هو المزيد من التيارات الشعبوية، والمزيد من الصراعات الداخلية، وعدم القدرة على حل مشكلات توزيع الدخل بطريقة منهجية, وفي الولايات المتحدة الآن، نشهد عودة الشعبوية، كان يفترض ان تكون شعبوية يسارية، لكن معظمها عبارة عن شعبوية يمينية.

الأميركيون مع ذلك، بدؤوا يناقشون بشكل أكثر انفتاحاً مشكلة عدم المساواة الاجتماعية.

إنهم يبدؤون بإدراك هذا الأمر بشكل بطيء، والتركيز الشعبي الأخير على عدم المساواة وحركة «احتلوا وول ستريت» هي إرهاصات تغيير تصب في هذا الاتجاه، والمشكلة أنه في الولايات المتحدة من الصعوبة بمكان تعبئة الناس حول قضية طبقية صافية ما عدا لفترات قصيرة جدا، مثل فترة الكساد الكبير.

لكن الأزمة المالية الأخيرة غالبا ما تجري مقارنتها بالكساد الكبير: لماذا لم نر حالة أخرى لجناح يساري ينتفض ضد الأغنياء؟

أنا في حالة حيرة هنا أيضا، كنت أعتقد أن هذه الأزمة متجذرة حقا في النموذج المالي الحر الأميركي تحديدا، سوف تفسح الطريق لموجة من الشعبوية اليسارية أي «حزب شاي باتجاه اليسار».

المشكلة الكبيرة اجتماعيا بالنسبة لليسار في أميركا هو أن الطبقة العاملة من أوساط البيض والشريحة الدنيا من الطبقة الوسطى، الذين هم في أوروبا ديمقراطيون اجتماعيون في سلوكهم السياسي، يميلون إلى التصويت للجمهوريين.

والأزمة لم تتطور إلى ركود عميق ببطالة واسعة بسبب دعم القطاع المالي من قبل الاحتياطي الفيدرالي والخزانة الأميركية. وأعتقد أن الحل الوحيد لمشكلاتنا الحالية يكمن في إعادة هيكلة المصارف الكبيرة، وتحويلها إلى كيانات أصغر حجما يسمح لها بعد ذلك بأن تفلس. ولقد أتيحت لفريق أوباما فرصة كبيرة وسط الأزمة لتأميم المصارف وبيعها بعد ذلك على دفعات، لكن فكرته حول ما هو ممكن ومرغوب لا تزال تتشكل حسب حاجات المصارف الكبرى.

لكن هل تقول جديا إن الجمهوريين أقل قربا من وول ستريت؟

لا السياسيون الجمهوريون مشترون كليا من قبل وول ستريت. لكن السؤال الحقيقي هو: لماذا يستمر مؤيدوهم من الطبقات العمالية في التصويت لهم؟ إن حزب الشاي يعبئ الناس ضد مصالحهم الاقتصادية، وما زلت لا أفهم كليا لماذا يقومون بذلك.

هل بإمكان أوروبا في محاولاتها اليائسة لانقاد اليورو أن تبقى ديمقراطية؟

المشروع الأوروبي بمجمله قام بدفع من النخبة منذ البداية. وهذا ما تشير إليه الاستفتاءات، وعمليا، كل دولة أوروبية الآن لديها حزب شعبوي ذو توجه يميني معاد للاتحاد الأوروبي والمهاجرين.

هل النظام الصيني الاستبدادي سيبرز باعتباره النموذج الدولي الجديد، مما يتناقض كليا مع طروحاتك؟

الصين لن تصبح نموذجا دوليا أبدا، إن نظامنا الغربي الحالي محطم في بعض النواحي الأساسية، لكن النظام الصيني لن ينجح أيضا، لأنه نظام غير عادل وغير أخلاقي، يجري المصادرات الاعتباطية، وتنقصه الرقابة العامة والشفافية، ويسود فيه الفساد، ونشهد حاليا احتجاجات واسعة في كل أنحاء الصين. إن الديمقراطية الليبرالية ما زالت فعلا السبيل الوحيد في العالم، على الرغم من كل عيوبها.