توحي تصريحات الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي غير الرسمية، التي أطلقها أخيرا من جمهورية غينيا، بأنه ينوي الابتعاد من عالم السياسة والفرار مع زوجته وطفلتهما، حيث يقول: في حال فشلت، فإني سأتوقف عن السياسة، وهذا أمر أكيد، ويضيف مطرقاً: للمرة الأولى في حياتي، أنا في مواجهة نهاية حياتي المهنية، يمكنني البدء بالعمل أسبوعياً نهار الثلاثاء والانتهاء مساء الخميس، وهذا بالتحديد ما قاله رئيس منتخب على أساس برنامج يدعو إلى بذل المزيد من العمل لكسب المزيد من المال، ويستفيض في القول: على كل الأحوال، سأغير مجرى حياتي كلياً، ولن تسمعوا صوتي مجددا.

 

آفاق الخروج

وكان قد اعرب في مناسبات عدة عن آسفه على بعض القرارات التي اتخذها خلال رئاسته، بدءاً من رئاسة نجله جان لحي الأعمال الأكبر في فرنسا لا ديفنس، إلى تسرعه في التوجه إلى الأهرام مع زوجته كارلا في لحظة رومانسية . ويقول: عندما رآني الفرنسيون سعيداً قالوا لأنفسهم: لقد تخلى عنا. وفي مقابلة تلفزيونية شاهدها 16 مليون مشاهد، تبنى ساركوزي نغمة الرجل الذي أنهكه العالم وهو يئن تحت عبء الرئاسة.

لكن في مقابل كل هذا القبول الظاهري بقرب نهايته السياسية، فإن آفاق خروج ساركو بهدوء يصعب تصورها، بعد خمس سنوات من تصدره الأضواء على المسرح الفرنسي والأوروبي، وكذلك المسرح الدولي كلما استطاع إلى ذلك سبيلا. والتفسير الأكثر قبولا هو أنه لا يزال يعتقد ان بإمكانه تحدي الصعاب لكسب الفوز الأقل ترجيحا لرئيس فرنسي يشغل هذا المنصب في التاريخ السياسي الحديث.

تم انتخاب ساركوزي في عام 2007 كشخصية أشبه برئيسة وزراء بريطانيا مارغريت تاتشر، حيث سيقبض على زمام الأمور في فرنسا، ويحقن اقتصادها بديناميته المميزة. وهذه الاحاديث جعلت منه بسرعة الرئيس الأكثر شعبية لفرنسا في مرحلة ما بعد الحرب، قبل أن تدمرها اهتمامه بالمظاهر ونمط سلوكه غير الرئاسي والإفراط في حياته الشخصية.

اليوم، فإن معظم الفرنسيين يرفضونه، كي لا نقول يكرهونه، إلى درجة تكاد تبدو غير منطقية. وتظهر استطلاعات الراي أنه سيتعرض لهزيمة نكراء على يد المرشح الاشتراكي فرنسوا هولاند. ولقد تفاخر ساركوزي أخيرا، قائلا: إن الاشتراكي السيد عادي سيذوب مثل مكعبات السكر تحت الضغط، لكن هولاند بعد التجربة تبين أن معدنه صلب. وقد أذهل 25 ألفا من اتباعه في مسيرة ظافرة، تمكن خلالها من مهاجمة مؤسسات وشركات التمويل من دون القيام بوعود انفاق مستحيلة درج عليها أسلافه.

وبرنامجه يعد بفرض ضريبة على الأغنياء، ما قد يبدو بنظر البريطانيين خطوة على يسار حزب العمال البريطاني، لكن الفرنسيين ينظرون إلى اقتراحه الذي يدعو إلى إنفاق مبلغ متواضع نسبيا قدره 20 مليار يورو لإبقاء القطاع العام الفرنسي المنتفخ، وتخفيض 29 مليار يورو من الإعفاءات الضريبية للأغنياء والأعمال، على انه المسافة الأكثر قرباً من التقشف التي يصل إليها الاشتراكيون في تاريخهم.

وكما تبدو عليه الأمور حالياً، فإن ساركوزي قد يعاني أيضا إذلال الفشل في الوصول إلى الجولة الانتخابية الثانية. وقد يهزم من قبل الزعيمة اليمينية المتطرفة مارين لوبن، التي تليه بفارق 3 نقاط مئوية في بعض الاستطلاعات، أو من قبل المرشح الوسطي الشعبي فرنسوا بايرو. وتتوقع ثيري غورييه، المحررة السياسية في إذاعة يورب1 الآتي: إذا تخطت مارين لوبن أو بايرو سقف الـ 20% غير الظاهر، فإننا سنشهد تراجعاً في التأييد لساركوزي بشكل دراماتيكي لمصلحة هذا المرشح الآخر.

وقد توضحت ملامح محاولة عودته غير المرجحة أخيراً، بدءا من محاولته إقناع الفرنسيين بانه تغير، حيث يقول المحلل السياسي دومينيك مواسي: كان هناك ساركوزي قديم انتقدتموه، وكنتم على حق في ذلك، لكنكم ترون الآن ساركوزي جديداً أكثر حكمة وخبرة. وساركوزي الجديد هذا يحاول إثبات أنه الوحيد الذي يتحلى بـ الشجاعة والاخلاص لقيادة فرنسا عبر مياه الاقتصاد العكرة، في حين أن خصمه المتعجرف هولاند يروج لأحلام رثة تتطلع إلى أيام الحقبة السوفياتية.

وهذا الأمر سيبرهن على أنه صراع شاق، لاسيما بعد خسارة فرنسا تصنيفها الائتماني إيه إيه إيه ، وارتفاع البطالة إلى أعلى مستوى منذ 12 عاما حيث بلغت نسبة 10%. وتظهر استطلاعات الرأي أن الفرنسيين يرون هولاند أكثر أماناً على مختلف الجهات.

 

حليف رئيسي

لكن لدى ساركوزي حليف رئيسي في شخصية المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي صرحت أخيرا بأنها ستدعم حملة إعادة انتخابه. وبضم مستقبله السياسي إلى النموذج الألماني الذي يتميز بالبطالة المنخفضة والإنتاجية الأعلى والصادرات، فقد اعلن ساركوزي أخيرا رفع ضريبة القيمة المضافة إلى 21.2% لتمويل خفض الرسوم الاجتماعية على أرباب العمل، واحتمال تقليص ساعات العمل والأجور، من أجل إنقاذ الوظائف.

ويقال: إنه اختار هذا السبيل بعد زيارة أخيرة قام بها المستشار الألماني السابق غرهارد شرودر، الذي أدخل هذه الإجراءات في ألمانيا في بداية القرن، تماما كما أدخلت الحكومة الاشتراكية الفرنسية نظام 35 ساعة عمل في الأسبوع. ولقد حثه شرويدر على المضي في الطريق نفسه، الذي كاد يكسبه إعادة انتخابه عام 2005 وساعد على دفع الاقتصاد الألماني على نطاق واسع، في حين تراجعت فرنسا.

لكن الاعتماد على قوة ميكوزي يعد لعبة خطيرة. فالاقتصاديون يحذرون من ان الاقتصاد الفرنسي القائم على الاستهلاك لا يمكنه ان يضاهي الاقتصاد الألماني، وان دعم ميركل قد يعد ضربا من التدخل.

في تعليقه على فيلم المرأة الحديدية، تنقل مجلة باري ماتش عن ساركوزي قوله إن تاتشر التي كانت مكروهة من قبل كثير من البريطانيين وهي في منصبها، يجري الاحتفاء بها الآن. لكن آماله في تقليد دورها تعد وحياً من الخيال كما الحلم الاشتراكي الذي يحذر ساركوزي منه، قائلا انه سيعبث بالبلاد خرابا إذا خسر الانتخابات.