كانت الفرضية الشائعة في أرجاء أوروبا تفيد أن مزيجاً من مناخ اقتصادي بارد وإجراءات تقشف قاسية، وخيبة أمل عامة في السياسيين، سيزيد من فرص اليمين الشعبوي الانتخابية، والسباق الرئاسي الفرنسي يعد احد الاختبارات الأولى لهذه الفرضية، حيث تقدم مارين لوبن نسخة ناعمة من الجبهة الوطنية ذات الاتجاه اليميني المتطرف.
سيناريو مختلف
ومع ذلك، فإنه من الممكن ولادة سيناريو مختلف كليا، يكون له أثر مماثل في تغيير وجه أوروبا السياسي الحاضر. وبدلا من إعطاء المزيد من السلطة إلى اليمين المتطرف، فإن بإمكان أوروبا أن تمضي في انعطافة حاسمة إلى اليسار، وستكون فرنسا الاختبار الأول لهذه الفرضية أيضا.
من جهة، يبدو ان ما حصل في الانتخابات الإسبانية أواخر السنة الماضية لا يتفق مع هذه الفرضية. فقد حقق ماريانو راخوي وحزبه الشعبي انتصارا كاسحا ليمين الوسط. ويصعب تحليل دوافع الناخبين، ما إذا كانوا منجذبين إلى شخصية راخوي وسياساته أساسا، أو أنهم مصابون بخيبة امل في طريقة ممارسة الاشتراكيين للسلطة؟ والتفسير المرجح هو مسؤولية الاشتراكيين خلال توليهم مقاليد السلطة. وفي ظل المناخ الاقتصادي الصعب حاليا، لا توجد حكومة بإمكانها أن تعتبر نفسها في مأمن ويتصادف أن حكومات عدة تواجه الانتخابات، في الشهور 18 المقبلة، هي من اليمين الوسط.
وهذا يشمل فرنسا، حيث تظهر استطلاعات الرأي أن ساركوزي يتراجع وراء خصمه الاشتراكي فرنسوا هولاند. وعندما يقول ساركوزي أخيرا انه سيترك السياسية كليا إذا خسر، فإن هناك ما يدفعنا للاستنتاج بأنه فقد الرغبة في القتال. قبل ثلاثة اشهر من التصويت، يبدو أن هناك أفقاً حقيقياً لانتخاب رئيس من اليسار في فرنسا.
طبعا، لا زالت الأمور في بداياتها. وكما يتفق، بلا شك، إدوار بالادور وجاك شيراك بعد تجربتهما الانتخابية عام 1995، فإن ثلاثة أشهر يمكن أن تكون فترة طويلة جدا في السياسة الفرنسية. ويعد ساركوزي منظم حملات حاذق بذوق وتميز رهيبين، وإذا كان هناك من شخص يمكنه عكس استطلاعات الرأي، فإنه ساركوزي بنفسه، وساركوزي يمكنه أن يفوز بفترة رئاسية ثانية.
لنفترض، مع ذلك، أن وجه فرنسوا هولاند هو الذي سيراه المشاهدون الفرنسيون يطل على شاشات التلفزة عند الساعة الثامنة مساء ليلة الانتخابات. ولنفترض أيضا أن العوامل نفسها التي صعدت به إلى السلطة ستضعه أمام جمعية عمومية ذات ملامح على يسار الوسط بعد أسابيع عدة. ولنمض في خط التفكير نفسه، ونفترض أن الانتخابات المقررة في اليونان في النصف الأول من هذه السنة، وعلى الأرجح في إيطاليا في النصف الثاني، ستجيء أيضا بحكومات أو تحالفات ذات ميول يسارية.
ثم لنأخذ في الاعتبار احتمالا آخر، وهو انه بحلول 2013، فإن الناخبين الألمان سيضيقون ذرعاً بأزمة اليورو المستمرة، ليس هذا فحسب، بل أيضا بولايتين للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، وسيشعرون بالإحباط من عدم نجاح ائتلافها الحاكم الثاني. وإذا قرر الألمان عندئذ، كما هو متوقع، إعطاء الديمقراطيين الاشتراكيين فرصة جديدة، فإن الوجه السياسي لأوروبا سرعان ما سيبدو مختلفاً جداً.
مجال التغيير
ستكون إحدى وجهات النظر أنه ستتغير ألوان الخريطة الانتخابية والأسماء على اللوائح، لكن السياسات الفعلية لن تتغير. وهذه ستكون قيوداً على أي حكومة، بمعزل عن ملامحها، وهذا الجدل سيعني أن أي فسحة لتغيير مهم في السياسة هي فسحة ضيقة جداً. ولن يكون هناك أكثر من تغيير بسيط باتجاه يساري على الأطراف. وكل الحكومات ستكون أساساً تكنوقراطية في الداخل، وستقاد من قبل السياسة الواقعية في الخارج.
لكن ليس هذا ما سيحصل بالضرورة، إذا كانت الحكومات الموجودة في السلطة على يسار الوسط ليس فقط في فرنسا، بل أيضا في ألمانيا وإيطاليا، بتعابير أخرى، في اقتصادات اليورو الثلاثة الأكبر، فإن تأثيرات ذلك قد تكون بعيدة المدى. وما يدعو للدهشة أن خطب حملة هولاند تتميز بحدة وبتوجه يساري أكثر تقليدية على نحو يفوق تصريحات أي من السياسيين الاشتراكيين الأوروبيين في السنوات الأخيرة.
الآن مع تحقيق المحافظين قبولاً واسعاً نسبياً في استطلاعات الرأي، فإن هذا اليوم قد يبدو بعيداً جداً. لكن انتخاب رئيس اشتراكي في فرنسا يمكنه أن يجعل هذا الأمر، ونوعاً مختلفاً من الاتحاد الأوروبي، أكثر قربا.
توجه جديد
إذا حصل تحول إلى اليسار ليس من دولة أوروبية واحدة، بل في عدة دول رئيسية في الاتحاد الأوروبي، فإن النتيجة قد تكون اتباع توجه جديد اكثر هجومية في سبيل فرض الأنظمة في مجالات عدة، وخصوصا في القطاع المالي. ونتيجة أخرى لذلك، قد تكون فرض توجه في الضريبة الوطنية اكثر اتساماً بطابع المساواة وبإعادة توزيع الدخل، وتنسيق ضريبي أوثق عبر منطقة اليورو.
أما النتيجة الثالثة، فقد تكون وأد الانشغال بالتنافسية الاقتصادية لتسعينيات القرن الماضي، وإعطاء اهتمام اكبر لمعدلات مستويات المعيشة. ونتيجة رابعة قد تكون تعزيز وضع أوروبا الذي يسير وينمو بوتيرتين، بالترافق مع خطوات نحو إقامة اتحاد سياسي ومالي في الصميم، ومنطقة تجارة حرة مع الدول الأخرى. ونتيجة خامسة قد تكون التقدم نحو سياسة دفاعية مشتركة وقوات عسكرية أوروبية، لأسباب اقتصادية بقدر ما هي لأسباب سياسية.
