قوض تحالف ناتو- إيساف نفوذ حركة طالبان وسيطرتها في جنوب أفغانستان، كذلك قلص هذا التحالف عدد هجمات طالبان والمتمردين على قواته في معظم أرجاء البلاد. ولقد أحرز تقدماً في إعادة تشكيل وجود حكومي وعسكري أفغاني في عدد من المناطق، وفي فرض مستوى من السيطرة والأمن في قندهار.

لكن الوضع الأمني غير مستتب في الشرق، وقوات طالبان وسعت عملياتها ضد مسؤولين أفغان في بعض المناطق في الشمال. وما زال الغموض يكتنف إمكانية احتفاظ قوات الأمن الوطني الأفغانية والحكومة المركزية الأفغانية بالسيطرة على الأراضي في الجنوب والشرق التي تقوم بفرضها القوات الأميركية وإيساف الآن، ما ان ينتهي عمل هذه القوات وفرق إنعاش الأقاليم، خلال الفترة 2012-2014.

ويبدو الوضع أكثر غموضاً عندما يتعلق الأمر بمدى قدرة الولايات المتحدة وإيساف والجيش الأفغاني على التصدي لتأثير مخابئ المتمردين في باكستان أو إلحاق الهزيمة بطالبان وشبكة حقاني، أو جماعة حكمتيار على المستوى السياسي، أو وقف المتمردين من توسيع انتشارهم وإقامة مواقع جديدة لهم للعمل في أفغانستان. وقد يعكس التراجع في عدد الهجمات العسكرية الآن واقعاً مفاده أنهم يتجنبون القتال المباشر الآن، ويعملون على الانتظار إلى حين انسحاب قوات ناتو/إيساف.

وما زالت حكومة أفغانستان تعاني من مشكلة كبيرة، ويتعين عليها إظهار أن بإمكانها الجمع بنجاح بين الانتخابات النزيهة وقيام حكومة فعالة، وأن بإمكان بنيتها شديدة التمركز ان تجعل من هيئاتها التشريعية هيئات ذات فعالية، أو أن تؤسس حكماً نزيهاً يعمل بفاعلية على صعيد الأقاليم والمقاطعات، خصوصاً وأن الانتخابات الرئاسية والتشريعية الأخيرة كانت مطبوعة بالفساد، ولا يوجد إدارة فعالة ونظام قضائي في عدد من المقاطعات التي يبلغ إجماليها 403 مقاطعات.

وكان أثر المساعدات على مدى عقد من الزمن محدوداً جداً في إعادة الأوضاع إلى نصابها أو في تطوير ذاك القطاع في الاقتصاد الذي يشارك فيه معظم الأفغانيين. والإحصاءات التي تظهر نمواً في الناتج المحلي الإجمالي تستند بشكل كبير إلى الإنفاق العسكري لناتو/ ايساف والمساعدات للموازنة الأفغانية، ولم يرفع هذان من مستويات المعيشة لدى كثير من الأفغان إلى ما فوق خط الفقر. كما أن موازنة كل من قوات الأمن الوطني الأفغانية والحكومة المركزية ستبقى معتمدة بشكل كبير على مثل هذه المساعدات الخارجية لفترة طويلة ما بعد انسحاب معظم القوات الأميركية وقوات إيساف أو جميع هذه القوات عام 2014.

 

ضعف الخيارات

لقد شددت أميركا وإيساف بشكل متزايد على مفاوضات السلام، وقد يجري التأسيس لشكل من المباحثات الجدية مع كيان جديد لطالبان قريباً. وكانت الولايات المتحدة قد أرسلت إشارات مفادها أنها لن تعامل حركة طالبان كعدو، إذا قبلت تلك الأخيرة بسلام يؤدي إلى رفض العنف والتحاقها بالحكومة الأفغانية، لكن حركة طالبان تستمر في الهجوم على مفاوضي السلام.

وقد يشرع المتمردون بالتعامل مع المباحثات تلك كتكتيك للتسويف، أو كوسيلة للفوز في الحرب باعتماد الوسائل السياسية، لأنهم لا يشعرون بأنهم هزموا، ولديهم أسباب للاعتقاد أن كل ما يجب عليهم القيام به هو الانتظار والتغلب على ناتو/ ايساف في معركة استنزاف سياسي. وقد يرون بشكل متزايد أن أميركا ودول التحالف تسعى إلى السلام بشروط أقل تطلباً مع الوقت للسماح لها بإنهاء الصراع، وقد يرونها وسيلة لاستغلال حكومة مركزية أفغانية ضعيفة وهشة، كما يرون مباحثات السلام كوسيلة للفوز بالصراع بوسائل غير عسكرية.

وتنظر باكستان إلى الصراع الأفغاني باعتباره صراعاً يحتاج منها إلى القيام بكل ما في وسعها لكسب مزايا فيه، ما ان تغادر القوات الأميركية وايساف. وهناك دلائل كثيرة على أن باكستان سوف تسعى لاستغلال انسحاب القوات الأميركية وإيساف وكذلك أي مباحثات سلام لمصلحتها، وأنها ستسعى إلى فرض نفوذها على مناطق الباشتون الواقعة على حدودها على الأقل، واستخدام أفغانستان لتأمين عمق استراتيجي ضد الهند.

والعلاقات المتوترة حالياً بين أميركا وباكستان هي التي تقود دور باكستان في الصراع، وعموماً، ستشكل المشكلات الداخلية لباكستان دورها المستقبلي في المنطقة.

الطموح الأفغاني

ويبدو وصول المجموعات المتمردة مثل طالبان أو شبكة حقاني إلى أي شكل من المصالحة السياسية مع الحكومة الأفغانية قبل مغادرة القوات الأميركية وقوات التحالف أمراً بعيد الاحتمال، إلا إذا شعرت تلك المجموعات بأنها تستخدم مثل هذه الاتفاقات لتحقيق فوز ما. ويبدو من غير المرجح بشكل مماثل أن تتوقف باكستان عن سعيها لتحقيق أهدافها في أفغانستان، وأن تنهي ملاجئ المتمردين على أراضيها.

والمكاسب التكتيكية ضد المتمردين أمر له أهمية، لكن مستوى الأمن الذي يمكن تحقيقه على المستوى السياسي ما زال غامضاً إلى حد كبير.

والتحدي المباشر الأكثر إحراجاً، الذي تواجهه القوى الخارجية، هو دعم خطة انتقالية تسمح للحكومة الأفغانية بمواصلة عملها، بالتزامن مع قطع المساعدات والإنفاق الغربي، والاحتفاظ بالتقدم الذي تم إحرازه لناحية تطوير قوات الأمن الوطني الأفغانية وتعزيز قدراتها.

وتشير التقارير إلى أن فترة الانتقال ستتطلب كمية مساعدات كبيرة لتفادي مشكلات استقرار وأمن رئيسية في البلاد. لكن لا يوجد أدنى قيمة أو مصداقية لخطط مساعدات وخطط اقتصادية تنكر واقع أن الأمة في حرب.

 

التحركات المستقبلية

وينبغي أن تقوم الولايات المتحدة وحلفاؤها والمنظمات المانحة للمساعدات الآن بإجراء تقييم واقعي لتحركاتها المستقبلية لناحية التكاليف والمنافع، وأن تقرر ما إذا كان الأمر يستحق مخاطرة تقديم التزامات لعقد مقبل آخر. وحتى لو تحركت أميركا وأوروبا بسرعة وفعالية، فإن النجاح غير مؤكد. وقد تكون لأفغانستان مجالات نجاح أقل مما للعراق في بناء ديمقراطية تقوم بوظائفها بسيطرة على الحكم فعالة وتنمية اقتصادية وسيطرة أمنية. والأسوأ من ذلك، أن باكستان تعد أكثر أهمية على الصعيد الاستراتيجي، وهي تنزلق إلى مزيد من العنف الداخلي وتكتسب كثيراً من سمات الدولة الفاشلة.

إذا لم تحصل أفغانستان على أموال من الخارج، تكفي لتفادي أزمة اقتصادية وحرب أهلية بعد الانسحاب الأميركي وانسحاب التحالف، فإنها على الأرجح ستبقى دولة ضعيفة ومنقسمة، تعتمد على المساعدات الأميركية والخارجية إلى عام 2024 وما بعد ذلك، مما يحد من أي دور استراتيجي لها لنوع من الاعتمادية من طرف واحد.

وحكومة قرضاي لا تكاد تقوم بوظائفها في معظم أرجاء أفغانستان، في الوقت الذي يفترض إجراء انتخابات جديدة في 2014، وهي السنة التي من المفترض أن تتقلص أعداد القوات إلى مستويات حرجة، ولا أحد يدري نوع الوجود، إذا كان هناك من وجود لها، بعد 2014.

كذلك، فإنه من غير الواضح بتاتاً ما إذا كان تركيز القوات الأميركية والتحالف والأمم المتحدة على بناء الحكومة المركزية سيجعل عملية الانتقال ممكنة. ويتعين على الغرب أن يتحمل اللوم لدفعه نحو صياغة دستور يركز السلطة والسيطرة على الأموال بشكل مبالغ فيه في يد رئيس الدولة، في الوقت الذي يقوم الآن بتشجيع حكومة فعالة على مستوى الأقاليم والمقاطعات، ويجد طرقاً لتأمين المساعدات والعقود مباشرة على المستوى المحلي.

ان النجاح قد يحتاج إلى شكل من أشكال فيدرالية الأمر الواقع، والتي تعكس الفروقات الرئيسية بين مناطق الباشتون الجنوبية، والباشتون في الشمال والأقليات العرقية الأخرى هناك، أي تشكيل نوع جديد من التحالف الشمالي يعمل من داخل الحكومة، كذلك حماية الأقليات، والاعتراف بأنظمة المحاكم المحلية، وستبقى أجهزة فرض القانون كما هي في عدد من المقاطعات الأفغانية.

ويجري تقدم في تشكيل جيش أفغاني، لكن من دون وجود دولة تقوم بوظائفها للحفاظ عليها، فإن قوات الأمن الأفغانية قد تتشرذم، ثم هناك تقدم بوتيرة أبطأ في تشكيل جهاز الشرطة والنظام القضائي. فالمساعدات الهائلة إلى أفغانستان كانت نتائجها الملموسة محدودة جداً، والاقتصاد الأفغاني سيتجه على الأرجح إلى حالة من الركود في 2014 في مواجهة اقتطاعات كبيرة في المساعدات والإنفاق، مما يعرض الاقتصاد وعمل القوات الأفغانية للشلل.

وحشد الدعم الأميركي والأوروبي للحرب واستمرار تدفق المساعدات والدعم لأفغانستان يعدان قضيتين حساستين، حيث يعتمد نجاحهما بشكل كبير على أميركا، وإذا كان هناك من أمل للولايات المتحدة في جر حلفائها الأوروبيين إلى مستوى الجهد المطلوب، يجب ان تظهر لهم ولأفغانستان وباكستان ان لديها الدعم المحلي للتصرف.

وهذا يعني أن أميركا تحتاج إلى خطة عمل هادفة لفترة الانتقال، في موعد لا يتجاوز موافقة الكونغرس على الموازنة الأميركية للسنة المالية 2013. وإذا كان الرئيس الأميركي باراك أوباما غير قادر على تأمين مثل هذه الخطة على مدى الأشهر المقبلة، وكسب الدعم المطلوب لتنفيذها، فإن أي أمل في إنقاذ ما تم تحقيقه من نجاحات دائمة في الحرب سوف يتبخر.

 

آفاق الاستقرار

ويسهل الحديث عن الحلول الإقليمية، لكن في الممارسة، فإن مشكلات باكستان الداخلية ستعيق على الأرجح أي تقدم في العلاقات مع الهند وباكستان، أكثر مما ستدفع باكستان نحو إجراء تسوية.

ولا يمكن أن تعتمد أميركا والغرب على روسيا والصين. فروسيا لديها مصالح استراتيجية محدودة لتأخذ مشكلات باكستان على عاتقها، لاسيما إذا استمرت باكستان في التدهور نحو دولة فاشلة، أما الصين، فقد تظهر اهتماماً أكبر، لكنها ستبقى على مسافة مدروسة بعناية.

وكانت الصين حذرة في تجنب مساعدات كبيرة لباكستان في ظل ضعف قادتها. وتريد بكين إبقاء باكستان كعنصر موازنة للهند، ومنعها من أن تصبح قاعدة للمتطرفين، مما يهدد الصين ومصالحها في المنطقة، لكنها تعرف جيداً ان أي تدخل صيني حيوي من غير المرجح أن يكون أكثر نجاحاً من جهود المساعدات الخارجية الماضية.

 

الفوضى والغموض

هذه التحديات لا تعني أنها ستؤدي إلى الحالة الأسوأ في أفغانستان، أو أن باكستان لا يمكنها التوجه قدماً في ظل قيادة مدنية وعسكرية أكثر كفاءة. ولا يمكن لأحد ان يتكهن بمستقبل على هذا القدر من الغموض، في الوقت الذي يبدو من غير المرجح أن تعطي المرحلة الانتقالية حركة طالبان وغيرها من المتمردين سيطرة على البلاد، حتى لو تمكن المتمردون الأفغان من الحفاظ على ملاجئهم في باكستان والحصول على مزايا من خلال الانتظار وعدم القيام بأي شيء خلال عملية الانتقال.

 باختصار، إن النتيجة الأكثر ترجيحاً من بين نتائج المرحلة الانتقالية لن تكون ما يدعوه صانعو السياسة الأميركية بوضع أفغاني جيد بما يكفي، أي دولة ديمقراطية مستقرة، ولن تكون أيضاً عبارة عن باكستان مستقرة، بل ستكون شكلاً غير مستقر من وضع أفغاني تتخلله الفوضى مقترن بباكستان غير مستقرة مدفوعة بشكل كبير بمشكلاتها الداخلية وبالتوترات مع الهند.