يعد تقييم المزاج العام لاجتماع قادة الأعمال والسياسة الذي ينعقد في دافوس سنوياً بمثابة ممارسة قيّمة، ليس بسبب أن الرؤية تكون صحيحة عادة، لكن بسبب أنها غالبا ما تكون خاطئة على الدوام. فالمراهنة ضد المزاج العام في دافوس من شأنها أن تثبت أنها استراتيجية جيدة للغاية، فلننظر إلى الأعوام القليلة الماضية فحسب.

فقد أثبت المزاج العام بعد الأزمة الائتمانية أنه كان متشائماً أكثر مما ينبغي وكان أكثر بهجة خلال العام الماضي، وخلال العام الحالي، كان هناك إجماع متردد على أن المزاج عبارة عن تفاؤل مشوب بالحذر وصار اكثر ميلا الى تبني سياسات للمفاجأت ، من جانب عديد نت الساسه المشاركين في المنتدى، وهذا يطرح إشكالية، من حيث انه إذا كان التفاؤل المشوب بالحذر خاطئاً، فما هو الصحيح؟ هل هو التفاؤل غير المشوب بالحذر أم الكآبة العميقة؟

 

تحليل مثير للجدل

قدّم أحد المراقبين المحنكين في دافوس تحليلاً للمزاج العام على امتداد هذه المسارات. كانت الشركات غير المالية تميل إلى أن تكون الأكثر تفاؤلاً، لا سيما تلك الشركات المنكشفة على الأسواق الناشئة سريعة النمو أو حتى أسواق الولايات المتحدة المتعافية. وتلك الشركات التي تعتمد على المستهلكين البريطانيين المكافحين كانت أكثر كآبة على نحو مثير للدهشة. وكانت البنوك متفائلة بشكل معتدل، وذلك بفضل التمويل طويل الأمد الذي أعلنه البنك المركزي الأوروبي في ديسمبر الماضي، مما بدّد مخاوف اندلاع حدوث أزمة ائتمانية أخرى.

وفي المقابل، كان بعض المستثمرين، لا سيما المستثمرين في صناديق التحوط الكبيرة، يتنبأون بأسوأ الاحتمالات. فهم يقولون إن خطوة البنك المركزي الأوروبي سوف تقضي على الألم قصير الأمد لمنطقة اليورو، وتسمح بأن يؤخر الساسة مهمة علاج المرض الكامن، وتزيد مخاطر الانهيار الكارثي. لكن بدت وكأنها وجهة نظر الأقلية في دافوس، حيث بدا لافتاً للنظر إلى أي مدى أصبح الكثيرون أقل غضباً إزاء منطقة اليورو خلال الأسابيع القليلة الماضية. حتى ان بوريس جونسون، عمدة لندن المتشكك في منطقة اليورو على نحو عميق، خلص إلى أن العملة الوحيدة سوف تظلّ سليمة.

أحد الرؤساء التنفيذيين الألمان أخبرني بأنه هو أيضاً قد غيّر رأيه. وهذا الرئيس التنفيذي هو أحد مؤيدي الحزب الديمقراطي الحرّ في ألمانيا، وهو الشريك الأصغر في الائتلاف الحاكم في ألمانيا، وقد قال لي إنه انتقد بشدة طريقة تعامل المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مع الأزمة، لكنه خلص الآن إلى أن كلا من المستشارة الألمانية ورئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراغي كانا يدركان ما يقومان به.

لكنهما اضطرا إلى الحفاظ على دعم من الرأي العام في ألمانيا. وتوقع أنهما في النهاية سيسمحان بارتفاع معدل التضخم، وتخفيف أعباء الدين وتعزيز التنافسية لدى الأعضاء الملحقين في منطقة اليورو. فهل سيقبل الشعب الألماني بذلك؟ قال: "لن يتم أخذ رأيهم". سيكون من الخطأ المبالغة في تحسن المزاج العام بشأن منطقة اليورو.

ففي كلمته التي ألقاها في دافوس، تحدث رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون عن "اللحظة الخطيرة" بالنسبة للاقتصادات على امتداد أوروبا، وقال دونالد تسانغ الرئيس التنفيذي من هونغ كونغ إنه "لم يكن منزعجاً أبداً" بشأن العالم.

وكانت الحشود في دافوس أكثر قلقاً حيال مسألة الحمائية. ووفقاً لما قاله أحد الرؤساء التنفيذيين البريطانيين: "قادة العالم قدموا عملاً عظيماً من خلال الحفاظ على الحمائية في إطارها عندما حلّت الأزمة في عام 2008، لكن كانت تلوح الأفق بوادر متشائمة.

 

خطاب

تبنى الرئيسان الأميركي باراك أوباما والفرنسي نيكولا ساركوزي اللذان يواجهان كلاهما انتخابات، خطاباً أكثر اتساماً بالحمائية، وفي إشارة إلى الارتفاع الحادّ في عدم المساواة بالدخل في العالم الغربي، قال لورد ماندلسون، وزير الأعمال البريطاني السابق إن الضغوط نتيجة سياسة الحمائية سوف تتزايد إذا لم تنتشر مكاسب العولمة بشكل أكثر عدلاً.

تتسم المؤشرات بأنها مثيرة للقلق على نحو خاص في قطاع الخدمات المالية. فقد قال رئيس لأحد البنوك العالمية إن المشرعين يتم استخدامهم لفرض حمائية مستترة في قطاع الخدمات المالية، حتى في داخل منطقة اليورو. وأضاف: "أسواق المال العالمية يجري تقويضها ولا نعلم حقاً ما هو الأثر طويل الأمد الذي سوف تحدثه".

وفي كلمته في منتدى دافوس، حث كاميرون العالم على ألا يتخلى عن سياسة تحرير التجارة، ذلك لأن مفاوضات الدوحة بشأن الحواجز على التجارة قد فشلت. لكن إحدى الشخصيات في لندن أشارت إلى أن الآمال بشأن اتخاذ المزيد من الخطوات لتقليص القيود في قطاع الخدمات.

وهي الخطوة الكبرى بالنسبة لبريطانيا، تتراجع بصورة سريعة. لقد سادت حالة من القلق الشديد بين المسؤولين البريطانيين بشأن الخطاب المناهض لقطاع الأعمال التي تبنّاه وزراء أخيراً، والخوف الشديد من شن هجوم على ستيفن هيستر، الرئيس التنفيذي لـ "رويال بنك أوف سكوتلاند"، بسبب المكافآت التي يحصل عليها. وقال مصرفيون عالميون إن ذلك عزز من ادعاء بريطانيا بأنها لديها أسوأ بيئة للأعمال المصرفية من أي مكان آخر في العالم، وذلك بفضل الضرائب والتشريعات وإصلاحات "فايكر" والتركيز على الرواتب. وقال رئيس لأحد البنوك البريطانية إنه ربما كانت هولندا، التي وضعت حداً اقصى لرواتب المصرفيين، أكثر سوءاً. "لكنه سباق متقارب".