توقف المراقبون السياسيون للأوضاع في مصر طويلاً عند التزامن بين أول اجتماع يعقده برلمان لمصر ما بعد الثورة في 23 يناير الماضي، أي قبل يومين من الذكرى السنوية الأولى للثورة التي أدت إلى إسقاط الرئيس المصري حسني مبارك، وتجمع مئات الألوف في الساحات على امتداد مصر مرددين مطالبهم الأصلية بتوفير الخبز والحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، وذلك فيما يطرح تساؤل حول ما إذا كان هذا البرلمان بإمكانه ان يحدث فرقا في النهاية.
فالبرلمان الجديد يأتي في نهاية سنة من المفارقات المريرة، فالثورة التي كان من المفترض أن توقف الطغيان انتهت بحريات أقل وقيود أكثر. كما انتهى بها المطاف بمعدلات فقر أعلى وظروف معيشية أسوأ، على الرغم من دعوتها للعدالة الاجتماعية. قصدت الثورة الكشف عن وحشية الشرطة، فانتهى بها المطاف بمحاكم عسكرية لمحتجين مسالمين، وبحملات تشويه لسمعة الناشطين، وبهجوم غير مقبول على منظمات المجتمع المدني. دعت الثورة إلى دولة يسود فيها حكم القانون، فانتهت بالانتهاكات الأفظع للقانون، وبدلا من انتخابات مزورة على نحو واسع، أصبحت لدينا الآن انتخابات يجري التلاعب بها بتسامح وتكتم. باختصار، أصبح لدينا نظام ديمقراطي يتألف من صناديق اقتراع لا غير، وناخبين يصطفون خارج مراكز الاقتراع على أساس ديني.
عيوب كثيرة
وليس من المستغرب إذن أن تتخلل البرلمان الجديد عيوب كثيرة. فقد لوحظت انتهاكات انتخابية عديدة خلال العملية الانتخابية، بما في ذلك حملات غير شرعية، وشراء أصوات وحتى بعض التزوير الانتخابي، وقد تم فرز الأصوات غالباً في أماكن مكتظة بالناس، هي أشبه بالأسواق الفوضوية منها بمراكز فرز الأصوات. وهناك مئات من الشكاوي تم رفعها من قبل مرشحين لكن تم تجاهلها من قبل لجنة الانتخابات العليا.
والأمر الآخر الذي يماثل هذا الوضع خطورة، يتمثل في واقع أن الانتخابات البرلمانية جرت بناء على قانون انتخابي جائر ومختل في جوهره، وعلى جانب المخالفات في العملية الانتخابية، فقد انتج هذا القانون برلمانا غير متوازن بشكل كبير، حيث فاز الإسلاميون بأكثر بقليل من 70% من المقاعد. لكن وجود برلمان غير متوازن قد يكون أفضل من عدم وجود برلمان على الإطلاق، على الرغم من وجود إشارات متضاربة مرسلة من الهيئة المنتخبة حديثا. خلال الجلسة الأولى التي تم تكريسها لقضايا إجرائية، تم إرسال رسالة دعم وتأييد إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وهي إشارة موافقة إلى حكام مصر من قبل البرلمان ذي الأغلبية الإسلامية.
وذلك عشية تجدد الاحتجاجات المناهضة للمجلس الأعلى. لكن خلال الجلسة الثانية، كانت هناك خطابات حماسية، تدين المجلس الأعلى، وتدعو إلى تقديم جميع الضباط المسؤولين عن قتل المحتجين إلى العدالة. لكن البرلمان لا يتعلق بالخطابات الحماسية، بل باتخاذ الخطوات الملموسة لمعالجة الأخطاء الملموسة، وهذا هو بيت القصيد في البرلمان الجديد، فهل سيتمكن من اتخاذ أي خطوات ملموسة؟ هل سيكون لديه القوة أو الإرادة لمعارضة إملاءات المجلس الأعلى للقوات المسلحة؟
سباق مع الزمن
إذا بقي ميزان القوى في مصر الآن ممسوكا من قبل القوى الرئيسية الثلاث، المجلس الأعلى والإسلاميين وانصار الديمقراطية، بالمعنى الواسع للكلمة، فإن أنصار الديمقراطية هم الذين سيتحدثون بصوت أعلى، ويخشون أقل من غيرهم. ويمتلك المجلس الأعلى للقوات المسلحة السلاح والسيطرة على وسائل الإعلام والسلطة بحكم الأمر الواقع، والإسلاميون لديهم الجاذبية الشعبية بخطابهم المشحون دينيا، هذا في الوقت الذي ليس لدى الثوار شيء إلا تصميمهم الحازم وقناعاتهم الراسخة بأن العدالة سوف تسود في النهاية.
وبناء على هذا، فإنهم قطعا يمثلون قوة لا يمكن تجاهلها، والبرلمان الجديد سرعان ما سيتعين عليه ان يختار إلى أي جانب سيقف في النهاية. ما زال من المبكر التكهن بما سيكون عليه هذا الخيار في النهاية. ويتضح بشكل كبير أن البرلمان الجديد لا يستطيع تحمل تجاهل صوت الشعب، فيما مد المحتجين يجتاح ميادين مصر. والأيام التي كان فيها البرلمان يخضع لأوامر النظام انتهت إلى الأبد، وكلما اسرع النواب الجدد في فهم ذلك، كان الوضع أفضل، والا اصبح البرلمان الجديد بعيد الصلة بالواقع، لا بل سببا لموجات غضب جديدة.
