كان ممثلو الشعب المصري المنتخبون حديثا وعددهم 508 نواب يؤدون القسم، عندما سار ألوف من أبناء الشعب المصري نحو مبنى البرلمان من مواقع مختلفة في المدينة. سار العمال من مقر النقابات العمالية الواقع في الجهة المقابلة من الطريق، وساروا من المحكمة العليا وهم يرددون هتافات لا لمحاكمة عسكرية للمدنيين، وانطلقوا من ميدان الشهيد عبد المنعم رياض وهم يرددون القصاص من قتلة الشهداء، وسار الفنانون من دار الأوبرا، وكنت بينهم.
كنا حوالي 1000 من الناشطين، عبرنا جسر قصر النيل ونحن نغني الإبداع! الحرية! العدالة الاجتماعية! ولقد اعجب بنا المارة على الطريق، لم ينظروا إلينا كمصدر تهديد، وتعرفوا على بعض نجوم السينما والتلفزيون بيننا، وفجأة عادت قوات الأمن المركزي إلى الشوارع بهيئة قوات مكافحة الشغب بقلنسوات مقنعة جديدة وبعصي أطول من سابقاتها، ففتحت الحواجز، وسمحت لنا بالمرور عبر أقدس مقدساتها، الشارع الذي يفصل بين السفارة الأميركية والسفارة البريطانية.
ضغط على البرلمان
عبرت المسيرات وسط المدينة لكن أيا منها لم يستطع الوصول إلى مرمى حجر أو زهرة من البرلمان، لان الجيش قام بإنشاء سلسلة من المتاريس المتنوعة والمبتكرة لحمايته من الناس. كانت هناك جدران مقامة من كتل حجرية كبيرة، ولفائف من الأسلاك الشائكة بمظهرها الوحشي، وأسوار من الحديد القوي بأطراف مسننة، ومئات مضاعفة من الرجال بالزي العسكري، وقد وقفت مركباتهم خلفهم على نحو استراتيجي.
والعسكر يدركون مقدار الضغط الذي سيمارس على البرلمان، لكنهم مجددا يخطئون في تبين طبيعة الضغط. ان الثورة المصرية هي مثل النيل في فيضانه، فلتحاول صد هذا الفيضان بالحواجز والزي العسكري. والثورة التي بدأت منذ 25 يناير 2011، انتشرت في كل مكان، فاندفعت بقوة عبر بعض الفضاءات، وتدفقت بثبات عبر فضاءات أخرى، وتسربت من خلال فضاءات غيرها، ولا يوجد أي مكان أو أي شيء لم يتأثر بها. وتستمر الثورة على المسار الذي أوجدته، وتحفر مسارات جديدة، في الوقت الذي يجتمع مجلس الشعب ويحيك المجلس الأعلى للقوات المسلحة الخطط.
ولقد حققت الحملة ضد المجلس الأعلى للقوات المسلحة اندفاعا هائلا، وكان ملهمها الغضب الذي سببه قتل المحتجين في منتصف ديسمبر الماضي في منطقة البرلمان، وقد عقد الثوار من الشباب مؤتمرا صحافيا تحت عنوان كاذبون، كان اجتماعا مكتظا وعاطفيا، وقامت مجموعة إعلامية من صانعي الأفلام والصحافيين المواطنين، بعرض صور لقادة العسكر وهم يدلون بتصريحات، إلى جانب أفعال تكذبها، وقامت فتاة شابة بإلقاء خطاب حماسي وهي ممسكة بقطعة قماش مغمسة بدماء المحتج رامي حمدي، وانتهى الفيلم فيما الكاميرا تتابع ببطء أثر الدماء التي انهمرت من هذا الشاب، فيما كان أصدقاؤه يحاولون حمله إلى بر الأمان، وعلى جانبي خط الدماء، وضعت علامة من أحجار صغيرة. وكان شباب يجلسون على مسار هذا الدرب أحيانا. وكاذبون أصبحت حملة على مستوى البلاد، ويقوم في إطارها شبان بتصوير لقطات لتحركات الجيش في الشوارع والميادين والجامعات، متحدين التهديد والعنف في اكثر الأحيان.
القتال بالقانون
والى جانب التحركات المباشرة، يوجد القتال باللجوء إلى القانون، مثل القضايا المرفوعة في المحاكم ضد الجيش والشرطة والمروجين للفساد والمستفيدين منه في قطاعات الأعمال والصناعة. وبعض المحاكم، وبالتحديد المحاكم الإدارية، كانت تصدر أحكاما رائعة وتاريخية، على سبيل المثال، إعادة الشركات المستحوذ عليها بالاحتيال إلى الملكية العامة والسماح للعمال بإدارتها. لكن لا يوجد جهاز شرطة لتطبيق هذه الأحكام، وبالتالي تندلع الإضرابات.
والحركة العمالية كانت لها أهمية هائلة في السباق الطويل الذي دام ثمانية عشر يوما للوصول إلى الثورة، أو للنجاح الفعلي لها. وهذه الثورة مستمرة، وتتسع أعدادها، شاملة المستشفيات والصحف والمدارس والمجال الأكاديمي، وتستجمع قواها وتقترح أشكالا جديدة من الملكية والتمثيل النقابي.
وهذا البرلمان الجديد أعطى الثورة، على أقل تقدير، موضوعا آخر للضغط من أجله، ودربا آخر للسير فيه وهو المسار السياسي. فالثورة قامت بسبب المظالم الكبرى التي أصبحت القاعدة السارية في البلاد، والطبيعة تعمل في العادة على تصحيح أي خلل يشكل خطرا.
وهذه المرة كانت الطبيعة إنسانية، طوفان من الناس تركوا بيوتهم ومشوا بتظاهرة سلمية إلى ميادين مدنهم ليقولوا كفى، لا مزيد من حكم العسكر الواضح أو الخفي، ولا مزيد من قوانين الطوارئ أو قوانين القمع، وإعادة هيكلة الشرطة وجهاز الأمن، والحرية للسجناء السياسيين والمدنيين الخاضعين للمحاكم العسكرية، وتطهير القضاء، ولا للفساد، ونعم لحقوق الإنسان، وإعادة تنظيم الاقتصاد لصالح الأغلبية. والبرلمان كهيئة تشريعية منتخبة بإمكانه أن يبدأ في تحقيق من هذه المطالب، وما سيتضح عن قريب، هو المدى الذي سينحاز فيه البرلمان أو قطاعات منه، إلى أهداف الثورة. فهل سيسمح لنفسه بأن يستغل كغطاء أو ستارة للنظام السابق؟
وفيما اكتب فيه هذه الكلمات، يتحدث النائب الذي يمثلني في البرلمان، ويشدد على محاكمة المجلس الأعلى للقوات المسلحة لقتلهم المحتجين. وفي تلك الأثناء، ترسل صديقة لي ورقة اختبار لطالب في الأكاديمية البحرية حيث تقوم بالتدريس، يقول فيها: ليسقط حكم قادة العسكر.
عندما يهدأ نهر النيل بعد فيضانه، يخلف وراءه أرضا متجددة خصبة، الآن لا زلنا نفيض، لكننا نرى مع ذلك براعم خضراء في الأفق.
