يبلغ عدد سكان أميركا حوالي 300 مليون نسمة، ويوجد فيها ملايين من الناشطين السياسيين والمتطوعين والمنظمين ومن سيكونون من أصحاب المناصب في الإدارة. وهناك مئات الألوف من المسؤولين المنتخبين، لكن، مع ذلك، لم يتمكن الحزب الجمهوري من إيجاد مرشح للبيت الأبيض عام 2012، يوحي بشيء لناخبي هذا الحزب إلا التسليم بالأمر الواقع المثير للضجر.

 

مشهد يتكرر كثيراً

واللافت للنظر في الأمر هو أن هذا المشهد يتكرر كثيرا، وبقدر ما أثبتت معركة اختيار المرشح الجمهوري هذه السنة ضعفها، فإنها ليست أضعف بكثير من مجموعة نتائج معارك رئاسية أخرى حديثة، من الاصطفاف الديمقراطي عامي 1988 و 2004 إلى معركة اختيار المرشح الجمهوري عام 1996. وفي سياسات الانتخابات الرئاسية، فان المواهب العظيمة، مثل الرئيسين الأميركيين الأسبقين بيل كلينتون ورونالد ريغان، تبدو استثناءات، في الوقت الذي يعد حشد من متوسطي القدرات من أمثال دول- دوكاكيس مونديال أقرب إلى القاعدة.

 والمشكلة ربما تكمن في أن حملة رئاسية ناجحة تستدعي مواهب ثلاث يندر ان تتداخل أو تجتمع معا. فليصبح المرء معلما في السياسة في ظل ديمقراطية جماهيرية، بهذا المعنى، سيكون عليه أن يشبه إلى حد ما مخرج أفلام لامع هو، بطريقة ما، اقتصادي عظيم في الوقت نفسه، أو عالم حائز على جائزة نوبل يكتب الروايات الأكثر مبيعا إلى جانب عمله.

أولا، يحتاج السياسي العظيم إلى موهبة الإدارة. فرئيس في طور التشكل يجب أن يكون مديرا تنفيذيا لحملته أيضا، مع ميل لجمع التبرعات، واكتشاف المواهب، وأن يمتلك إحساسا مرهفا باللحظة التي يجب التركيز خلالها على التفاصيل ومتى يفترض تفويض المهام للآخرين، وهذه تعتبر جانبا من سياسات الرئاسة الخاصة بلي الأذرع والتنظيم وحشد التأييد، وليس أمراً مفاجئا أن هذه الموهبة تميل لصالح المطلعين على باطن الأمور ومبرمي الصفقات وأصحاب الخبرة في واشنطن.

لكن هؤلاء قلما يرتاحون إلى ذاك الجانب في السياسات الأكثر علانية وخطابية وترويجية للذات. والإداري العظيم من غير المرجح ان يكون موهوبا بالإقناع، وقادراً على إغراء الناخبين المترددين بتعاطفه أو إلهامه، أي ما كان يدعوها الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش، وهو لم يكن يتمتع بها، «الرؤية»، أو أن يكون ديماغوجيا كبيرا قادرا على شيطنة وتشويه صورة أعدائه وإقناع مؤيديه بانهم يقفون الآن في حلبة القتال. والإداري يمكنه ان يقوم بهذه الأدوار، لكنه سيكون هناك دوما لمحة من السخرية، ولمسة من التصنع والتزييف، وإحساس لديه بأنه من الأفضل أن يعود إلى لعبة المطلعين على باطن الأمور.

وعندما يصل السياسي بطريقة ما إلى المراتب الأولى لهذه المواهب الثلاث، قد يبدو أن لا شيء يمكن أن يوقفه، لنأخذ على سبيل المثال الرئيسيين الأميركيين السابقين روزفلت وفرانكلين، لكن المراهنة على موهبتين من تلك المواهب الثلاث تكفي في العادة لإيجاد مرشح رائع. وكل من الرئيسين رونالد ريغان وبيل كلينتون على سبيل المثال، كانا من أصحاب الحجج المقنعة والديماغوجيين الكبار.

فقد كان بإمكانهما خطف ود الجمهور بجاذبية راقية في لحظة، ومن ثم التجريح والهجوم في لحظة أخرى، وهذا الجمع بين الأمرين عوض بشكل كبير عن النواقص لديهما على صعيد الإدارة. ولم يكن الرئيس الأميركي الأسبق دوايت أيزنهاور كثير الديماغوجية، لكنه أجاد لعب دور الموحد أمام الناس، بالتزامن مع ممارسة تنظيمية قاسية وراء الكواليس.

ولطالما بدت مناشدة الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون الجانب الطيب لدى الناخبين متكلفة، لكنه كان سباقا على مستوى التنظيم وتشويه صورة الآخر، على الأقل إلى أن أصيب أسلوبه الإداري بجنون العظمة والشك والارتياب، وأطاح بكل ما قام ببنائه.

 

موهبة الخاسرين

ان الخاسرين في تاريخنا الرئاسي، في المقابل، يتمتعون غالبا بموهبة واحدة من اصل المواهب الثلاث. فهم إداريون جيدون، في الغالب، وتنظيماتهم الإدارية صمدت أفضل من موهبة الديماغوجية والإقناع لديهم في الانتخابات التمهيدية، لكنهم لم يتمكنوا من حشد القاعدة والهام المركز في الانتخابات العامة. بالتالي فان والتر مونديال الظافر على جيسي جاكسون وغاري هارت تم سحقه على يد ريغان.

وكذلك الأمر مع بوب دول ومايكل دوكاكيس، وجون كيري في 2004. وهذا هو الدرب الذي يبدو ان مرشح الجمهوريين مت رومني، يسير فيه هذا العام، وهو الإداري حتى النخاع. والتساؤل المطروح هو ما نوع الخصم الذي سينتظره في نوفمبر المقبل. وفي 2008، بدا باراك أوباما وكأن لديه مواهب فرانكلين روزفلت، حيث استطاع أن يتجاوز هيلاري كلينتون وجون ماكين في الإدارة والإلهام والديماغوجية.

لكن الرئاسة، على غير ما هو متوقع، كشفت عن حدود مقدراته كمحاور. والآن عندما يشوه أوباما صورة الآخر، تبدو كلماته خرقاء، وعندما يحاول الإقناع تقع كلماته على آذان صماء. وعلى عكس ريغان وكلينتون، وهما سيدان في هذا المجال.

فإن أوباما يبدو غير قادر على الإلهام والاستئساد. لكن ما تركه أوباما هو ذاك التنظيم القادر والصلب نفسه الذي ساعده في الوصول إلى أعلى المواقع في المرة السابقة. وربما قد يعود ويكتشف السحر القديم لعام 2008، لكنه إذا لم يفعل ذلك، فان الانتخابات عام 2012 ستتشكل لتصبح نوعاً من الحملات الانتخابية الأميركية الأكثر إثارة للضجر. صدام بين إداريين يجاهدون للفوز بالجائزة التي بإمكان مرشح قوي أن يحصل عليها دون جهد أو عناء.