تعثرت، أخيرا، محاولة لمد دستور الحوار بين الكرملين ومنظمي احتجاجات الشوارع في روسيا، تاركة مجالا محدودا للتخفيف من حدة التوتر، قبل عودة المظاهرات المعتزم إطلاقها في الرابع من فبراير المقبل والحادي عشر من مارس.

ويتوقف المراقبون في غضون ذلك أمام تصريحات ألكسي كوريدين وزير المالية الروسي السابق، الذي عرض القيام بدور الوساطة بين الحكومة الروسية والمتظاهرين، حيث أشار إلى أن الجانبين يظلان على تشددهما، وأنه لم يحرز تقدما حتى الآن. وقال كوريدين: « إن هذا يناسب تماما المتشددين في كل معسكر، ولكنه لا يمكن أن يرضي المتشككين بالمنهاج العقلاني.

ويلفت النظر أن كوريدين يواصل تحركاته هذه برغم أنه ظل حليفا لوقت طويل لرئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين الذي نحاه من منصب وزير المالية في سبتمبر الماضي.

ونسب إلى كوريدين قوله كذلك:» إنني أعتبر أن استمرار الوضع الراهن يعد أمرا خطرا، ولإبعاد الموقف عن الوصول إلى التفجر ، فإنه يتعين على كل من الجانبين أن يخطو خطوة نحو الآخر.

 

بوتين والتغيير السريع

وقد نفى بوتين في مقال نشر أخيرا في صحيفة «أزفستيا» احتمال حدوث تغيير سياسي سريع، وقدم نفسه في سياق تاريخي باعتباره الزعيم السياسي الأوحد الذي يمكن أن يقود روسيا في مرحلة من القلاقل بدأت لتوها.

وجاء في المقال نفسه: « إن المشكلة المتكررة في التاريخ الروسي هي رغبة جانب من النخبة الروسية في القيام بوثبات، وتبني الثورة بدلا من التطور على مراحل. ولا توضح التجربة الروسية وحدها ، وإنما تجارب العالم كله النتائج القاتلة للقفزات التاريخية، حيث تترتب عليها تبعات مثل السرعة والتخريب دونما إنجاز».

وقال بوتين إن مجموعة جديدة من المسؤولين ستتعرض بصورة مماثلة لمشكلات مزمنة من نوعية الفساد والركود والنزعة الطفيلية. وشدد بقوله: «في كل فرصة يصبح المخربون أمام أعيننا سادة مهذبين يمارسون الرضا عن الذات، ويعارضون أي تغيير، ويحرسون وضعهم وامتيازاتهم، أو قد يحدث العكس أي أن ينقلب السادة المهذبون إلى مخربين».

ويلفت النظر في غضون ذلك أن فلاديمير رزياكوف الزعيم الروسي المعارض، الذي اجتمع أخيرا مع كوريدين، قد أعرب عن اعتقاده بأن كوريدين بذل جهودا مخلصة لإقناع بوتين بالحوار مع منظمي المظاهرات، ولكنه رفض هذه المبادرات كما رفض مبادرات وسطاء آخرين.

وقال إيزياكوف: « بالنسبة لنا فإن ذلك أفضل لأن الناس سيشعرون بالغضب من بوتين، وسيكون من الأيسر علينا تجميعهم للتظاهر.

وفي غضون ذلك يستعد منظمو مظاهرة الرابع من فبراير للانطلاق بها، ويعتزمون تقديم طلب رسمي للسلطات للمضي بالمظاهرات في طريق يمتد حوالي 6 كيلومترات مخترقا قلب موسكو، فيما يشير منظمو هذه المظاهرات إلى أنه من غير المتوقع القيام بتظاهرات كبرى حتى 11 مارس المقبل.

وقد أصدرت سلطات موسكو بالفعل تراخيص بالتظاهر لجموع تتراوح بين 30-50 ألف متظاهر في ديسمبر الماضي.

وأشار المراقبون من ناحية أخرى إلى اهمية الخطوة التي أقدم عليها الرئيس الروسي ديمتري ميدفيديف، حيث قدم إلى البرلمان مشروع قانون لإعادة الانتخابات المباشرة في المقاطعات، وهو تغيير طالبت به جماعات المعارضة منذ أمد طويل، وينظر إليه المراقبون على أنه استجابة للمظاهرات الحاشدة التي اجتاحت المدن الروسية أخيرا.

غير أن اللغة الغامضة التي صيغ بها مشروع القانون تتيج للكرملين أداة محتملة للتخلص من المرشحين غير المرغوب فيهم، فالأحزاب لها القدرة على اختيار المرشحين، وذلك «بعد إجراء مشاورات مع الرئيس الروسي الذي سيحدد الإجراءات لمثل هذه المشاورات».

ويقول المحلل ألكسي ماكاركين الباحث في مركز التقنيات السياسية في موسكو إن السلطات وقادة المعارضة على السواء ينتظرون لرؤية طبيعة الحشود التي ستنطلق في مظاهرات الرابع من فبراير، حيث أن حشدا يتراوح بين 20-30 ألف متظاهر سيشير إلى خروج بوتين من دائرة الخطر.

ويقول ماكاركين إنه إذا كان حشد المتظاهرين أكبر من نظيره في الرابع والعشرين من ديسمبر الماضي، والذي قدر آنذاك ب 80 ألف متظاهر، فإن السلطات قد تستعد للتفاوض، خاصة بعد أن أشارت وكالات لاستطلاع الرأي إلى زيادة شعبية بوتين منذ أواخر ديسمبر الماضي.

وقد تبنى بوتين في مقاله رؤية حافلة بالتشكك حيال الدافع للقيام بمظاهرات ديسمبر، وأعرب عن ضيقه لافتقار المتظاهرين لأجندة واضحة .

وقال: « يتحدث الناس اليوم عن أشكال مختلفة لتجديد العملية السياسية، ولكن ما الذي يفترض أن نتفاوض حوله؟ هل ينبغي أن نتفاوض حول كيفية بناء معمار سلطتنا؟ أم هل ينبغي أن نتفاوض حول ما إذا كانت هذه السلطة مطالبة بأن تمنح لأناس أفضل، وماذا بعد ذلك؟ ما الذي سنقوم به؟».

 

رؤية المراقبين

من منظور المراقبين المتابعين لتطورات الساحة الروسية فإن هذه المقالة تعكس افتتان بوتين بالتاريخ الروسي ومكانته فيها، وهم يشيرون بشكل خاص إلى عنوان هذه المقالة .

وهو «روسيا تستجمع قوتها» ,ويقولون إن هذا العنوان نفسه هو عنوان تقرير يعود إلى عام 1956، كتبه وزير الخارجية القيصري آنذاك ألكسندر يوتشاكوف، الذي ينسب إليه أنه حدد ملامح السياسة الخارجية الروسية القائمة على التحالفات المرنة، وعلى الانسحاب من الشؤون الأوروبية، وهو تغير أملته اعتبارات داخلية روسية.

ويقول بوتين إن روسيا ينبغي عليها أن تتحمل فترة ممتدة ومؤلمة من الاضطرابات العالمية، والتي تقترن فيها الصدمات الاقتصادية مع الانفجارات الاجتماعية والتوتر العرقي، بينما تقوم دول أخرى، كالولايات المتحدة، بتغذية الاضطرابات والتمردات. وفي غضون ذلك يقول المراقبون إن نطاق مظاهرات الرابع من فبراير المقبل سيتوقف عليه الكثير لتحديد المراحل المقبلة من المسيرة الروسية.