في نهاية العام الماضي، ألقى رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو كلمة بارزة أمام الكنيست، زعم خلالها أن الأحداث الجارية في المنطقة أكدت شكوكه إزاء الحركات المؤيدة للديمقراطية وأن الربيع العربي يدفع منطقة الشرق الأوسط إلى الوراء، وليس إلى الأمام.

 ويبدو أن نتنياهو يريد أن يعتمد نهج النظام السوري الحاكم في الاحتجاجات السياسية. وأثناء أحداث الثورة المصرية، طلب نتنياهو من الولايات المتحدة أن تتمسك بقوة بالرئيس المصري السابق حسني مبارك، الذي تعاون مع إسرائيل في قضايا أمنية مشتركة، في الوقت الذي احتشد ملايين المصريين في الميادين العامة على امتداد البلاد للمطالبة بالديمقراطية.

ولكن بغض النظر عن ذلك، فإن الدليل على النظرة التشاؤمية من جانب نتنياهو يكمن في أن الأحزاب المطالبة بتبني النهج الإسلامي في السياسة قد فازت بالأكثرية في أول انتخابات برلمانية بعد سقوط نظام مبارك.

فلم تستنكر أي من هذه الأحزاب الحريات المدنية أو الأقليات المضطهدة أو تقييد حقوق المرأة. و تعهد كل حزب بالالتزام بالعمليات الدستورية. وربما يكون كل ذلك خدعة، وربما يثبتون أنهم أقل ليبرالية بمرور الوقت، ولكن هناك دليل ضعيف على النتائج التي توصل إليها نتنياهو.

 

خطر حقيقي

في الحقيقة، تواجه عملية نمو الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط خطراً حقيقياً، لكنه ليس من الديمقراطيين الإسلاميين. التهديد ينشأ من اندفاع السلطات الاستبدادية المتبقية في أنظمة الحكم، سواء من الأحزاب السياسية أو السلطات العسكرية المهووسة بما يسمى بالإسلام السياسي، و هو الخطر الحقيقي الذي نواجهه على أرض الواقع. ففي النموذج المصري، على سبيل المثال، بينما يعرب نتنياهو عن تخوفه من البرلمانيين الإسلاميين، فإن العسكريين في مصر منهمكون بتوطيد سيطرتهم على الأوضاع في البلاد.

فمنذ أسابيع، داهمت قوات حكومية مصرية 10 مكاتب لمنظمات مدنية تقتصر مهمتها الأساسية على الترويج للديمقراطية وسيادة القانون و الحريات المدنية. ووجهت اتهامات لبعض هذه المنظمات، مثل منظمة فريدوم هاوس و المعهد الجمهوري الدولي، بأنها تتلقى تمويلات من الولايات المتحدة. لقد لجأ العسكريون في مصر إلى الوسائل التقليدية التي تتبعها الأنظمة الدكتاتورية من أجل الحفاظ على سلطتهم، وهي الاعتقالات و التعذيب و المحاكمات العسكرية و الترهيب.

وفي العراق وبعد مرور ستة أعوام من إجراء أول انتخابات حرة في البلاد، يعمد رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي إلى استخدام أساليب غير معتادة لتعزيز قبضته على البلاد. وأصدر أوامره باعتقال ساسة بارزين، بمن فيهم نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي (وهو من طائفة و حزب مختلفين)، وجعل أجهزة الجيش و الاستخبارات تتركز في حزبه "الدعوة" و معظم الهيئات الحكومية الرئيسية. ويعتقد الكثير من العراقيين أن المالكي رفض إبرام صفقة مع واشنطن حتى ترحل القوات الأميركية من العراق و تتركه ينفرد بالسلطة دون قيود.

 

الحالة التركية

القضية الأكثر تعقيداً هي الحالة التركية، حيث تم، أخيراً، اعتقال ألكر باشبوغ القائد السابق للجيش التركي، وهو واحد من 60 ضابطاً متهمين بالتآمر للإطاحة بالحكومة الحالية المنتخبة ديمقراطياً برئاسة رجب طيب أردوغان. وتعتبر هذه الاعتقالات أحد الأدلة على أن تركيا تحيد بعيداً عن أصولها العلمانية وتمضي باتجاه الأصولية الإسلامية.

فرئيس الوزراء أردوغان يتحدث بلهجة حادة وهو قريب من العامة. لكنه لم يفعل شيئاً، ولا أية تغييرات في القوانين أو الممارسات، لتبرير تهمة أنه يفكك العلمانية. في الحقيقة، عمدت حكومة أردوغان إلى تمرير المزيد من الإصلاحات الاقتصادية و السياسية أكثر من أي حكومة أخرى في تاريخ تركيا. وقدمت تنازلات غير مسبوقة للأقلية الكردية في تركيا.

وفي مسعى تركيا لضمان الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي، قام حزب أردوغان العدالة و التنمية التركي بإقرار مئات التشريعات على مدار العقود الماضية لجعل النظام السياسي التركي متوافقاً مع التوجيهات التي حددها البيروقراطيون في بروكسل. وبالمناسبة، خطط الجيش التركي، على امتداد سنوات، لأربع محاولات انقلاب ضد حكومات تركية منتخبة، لذلك فليس من المقبول أنه كان يخطط للمحاولة الخامسة.

فلو أن هناك ما يثير القلق حيال تركيا، فإنه ليس من الإسلام السياسي، ولكن من النزعات الاستبدادية لسياسي يحظى بشعبية على نحو عنيف. ولدى تركيا نظام قانوني استبدادي إلى درجة كبيرة، وهو موروث عن الفترة العسكرية. (تشير جماعة لحقوق الانسان إلى أن نصف السجناء في تركيا غير متهمين بارتكاب جرائم).وبالنسبة لأردوغان، فلكونه حقق نصراً انتخابياً ثالثاً، فقد استخدم هذا النظام لقمع خصومه، بمن فيهم الساسة والصحافيون وقادة الجيش.