انعقد أول مجلس تشريعي لمصر في مرحلة ما بعد مبارك، أخيراً. وسوف يهيمن الإسلاميون على مجلس الشعب الجديد، حيث استحوذ حزب الحرية والعدالة التابع لجماعة الإخوان المسلمين، جنباً إلى جنب مع حزب النور السلفي على 75% من مقاعد البرلمان المنتخب والتي يبلغ عددها 498 مقعداً.
وبما أنه تم تقييم الانتخابات البرلمانية المصرية باعتبارها حرة ونزيهة وكانت النتائج حاسمة جداً، فإن المجلس التشريعي بشرعية شعبية لم يسبق لها مثيل. و لكن في الوقت نفسه، لا يزال مدى سلطة البرلمان غير محددة الملامح. وفي مرحلة لاحقة سيكون هذا النقص في الوضوح مصدراً للتوتر بين الإسلاميين و المجلس الأعلى للقوات المسلحة الحاكم في البلاد.
لقد كان دور البرلمان غير محدد طوال المرحلة الانتقالية. ووفقاً للاستفتاء الذي جرى في شهر مارس 2011، فقد تمّ تكليف المجلس بتشكيل لجنة لكتابة دستور جديد. غير أنه بعد إدراك أن هذه الصيغة سوف تمكِّن التيار الديني من إحداث تغيير كبير في النظام السياسي، بما في ذلك التحول من نظام رئاسي إلى آخر برلماني، فقد أعلن المجلس العسكري، من جانب واحد، أنه سوف يتجاهل نتائج الاستفتاء .
ويختار أغلبية اللجنة الدستورية بنفسه. وفي الوقت الذي يتصور المجلس العسكري دوراً محدوداً لمجلس الشعب، فإن لدى الإخوان المسلمين رؤية أوسع نطاقاً. ووفقاً للزعيم السياسي الإخواني عصام العريان تأمل الجماعة أن تؤسّس البرلمان كمركز سلطة مسؤول، ليس فيما يتعلق بالمساعدة في صياغة دستور جديد فحسب، بل أيضاً تشريع وتوفير رقابة على الحكومة الانتقالية التي عيَّنها المجلس العسكري.
وعلى الرغم من أن هذه التصورات المختلفة هي بالفعل مصدر للجدل، إلا أنه من غير الواضح ما إذا كان الإسلاميون سوف يسعون إلى المصارحة مع المجلس العسكري حول هذه المسألة. و حتى الآن، يبدو أن جماعة الإخوان المسلمين، التي تسيطر على نحو 46% من المقاعد، تميل إلى نزعة أكثر استرضائية. و قال العريان، أخيراً، على سبيل المثال، إن الجماعة لن تتحدى المجلس العسكري، من خلال محاولة عزل الحكومة الحالية بتصويت لسحب الثقة منها. ومع ذلك، ربما يكون الصراع بين الإسلاميين والمجلس العسكري موضوعاً متكرراً في الدورة البرلمانية الجديدة.
وهناك قضايا كبيرة أخرى تواجه المجلس التشريعي، وهي تدهور الاقتصاد والخلاف الداخلي بين جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين. وإدراكاً لإلحاح المشكلة الاقتصادية، التقى مسؤولون من الإخوان مع ممثلي صندوق النقد الدولي في القاهرة خلال الأسبوع الثالث من شهر يناير لمناقشة شروط الحصول على قرض بمبلغ ثلاثة مليارات دولار. وفضلاً عن الاقتصاد، فإن هناك توترات بين جماعة الإخوان المسلمين والسلفيين المرجح أن تتعمق، حيث يتعرض الإخوان لضغط من التيار السلفي من أجل تقديم تشريعات أكثر محافظة اجتماعياً بما يتوافق مع الشريعة الإسلامية.
وفي الواقع، من المرجح أن يكون حزب النور الشوكة المستمرة في الجانب الإخواني، مما يقوض المبادرات البرلمانية ويسبب إحراجاً للحزب الأقل تشدداً نوعاً ما. وعلى العكس من الإخوان، فإن السلفيين، وهم المتحررون من عبء مسؤولية الحكم ولكنهم حصلوا على نسبة كبيرة من المقاعد تبلغ 23%، سوف يركزون جُلَّ اهتمامهم على ترويج برنامجهم الاجتماعي الذي يهدف إلى جعل مصر أكثر محافظة.
وبالفعل، ففي الأسبوع الثالث من يناير، على سبيل المثال، انتقد حزب النور بشدة احتمال قيام صندوق النقد الدولي منح قروض لمصر، وهي القروض الضرورية للحيلولة دون اندلاع أزمة تتعلق بالاحتياطيات المستنزفة من النقد الأجنبي، معتبراً إياها "ربىً" وانتهاكاً للشريعة الإسلامية.
ليس هناك شك في أن الإخوان المسلمين سوف يفضلون اتباع منهج أقل استفزازاً وأكثر تدرجاً لتطبيق الشريعة الإسلامية، ولكن حيث يواصل السلفيون التضييق عليهم فقد لا تتوفر لهم هذه الرفاهية. وهذه الأنواع من الاختلافات، التي ربما تمتد في نهاية المطاف إلى الكحوليات ولباس الشواطئ وعدد هائل من الأعراف الاجتماعية الأخرى، سوف تكون مُربكة للإخوان. وفي النهاية من المرجح أن تدفع الجماعة باتجاه اتباع أجندة اجتماعية أكثر تحفظاً.
