من المغري التركيز فقط على الأزمة السياسية الجارية والصراع على السلطة بين رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي وخصومه، لكن هذا لا يشكل إلا جزءا من الأزمة في العراق. فهناك التحديات السياسية الأوسع نطاقاً وشؤون الحكم. وعلى هذا الصعيد، لا يزال العراق بعيدا بأشواط عن تشكيل حكومة مستقرة أو ديمقراطية تقوم بوظائفها على اكمل وجه، كما يتضح من الأزمة السياسية الحالية، وذلك بعد 20 شهرا من الانتخابات العراقية الأخيرة في 9 مارس 2010.

وتشكل أزمة القيادة الجديدة والانقسام الطائفي الذي بدأ في 17 ديسمبر 2011، جانبا واحدا من المشكلة، وتطرح هذه الأزمة تساؤلات حول ما إذا كانت الديمقراطية في العراق قادرة على الاستمرار بالطريقة التي يجري بها استخدام القوات الأمنية. لقد حاول المالكي اعتقال نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي، كما تم إرسال عربات مدرعة لتخويف بعض أعضاء الكتلة العراقية المعارضة، التي تتهم المالكي بالاستيلاء على قوات مكافحة الإرهاب وأجهزة الاستخبارات، وبالسعي للسيطرة على الجيش من خلال سوء استخدام سلطاته وإجراء تعيينات مؤقتة على مستوى القيادة العليا. ويتصاعد التوتر في محافظتي الأنبار وديالا، في الوقت الذي يزداد التوتر بين الأكراد والعرب في الموصل وكركوك.

وعموما، لا يكاد مجلس رئاسة الجمهورية يعمل، وهو لم يمرر تشريعات حيوية تؤثر في قدرة العراق على حماية الاستثمارات وتطوير اقتصاده. وتتصف الحكومة بالضعف وعدم الفعالية محليا وعلى صعيد المحافظات، أما الديمقراطية العراقية، فإنها لا تقوم بوظائفها بفعالية في جوانب عدة من تسيير أمور الحكم العادية. لقد قمع العراق ربيعه العربي بالقوة وبالإمعان في الرقابة. وتظهر دراسة قامت بها السفارة الأميركية في منتصف 2011 مستوى واسعا من عدم الرضا الشعبي فيما يخص إدارة شؤون الحكم، وما حدث منذ الانتخابات الأخيرة يبدو انه أشعل الغضب الشعبي من الفساد وعدم الكفاءة، ويتحول هذا الغضب بسهولة إلى توترات طائفية وعرقية عندما يجري تفضيل طرف على الاخر.

 

الوضع الأمني

ويتضح من التفجيرات في بغداد وأجزاء أخرى من العراق، بشكل لا يقبل الشك، أن الانتصارات التكتيكية للحملة الأميركية خلال أعوام 2006-2008، لم تحرز شيئا إلا تقليص مستوى الصراع الذي ساعد في تشكيله الفشل الأميركي السابق.

وتشهد القوات المسلحة العراقية تقدما بشكل ثابت على الرغم من المشكلات، لكن بمعدل أبطأ بكثير مما كان مخططا له، ولقد أصبحت اكثر تسيساً وهناك عناصر مهمة أصبحت تحت السيطرة الشخصية لرئيس الوزراء المالكي.

وتستنجد الشرطة بقوة محلية ذلك أن العديد من عناصر الشرطة المدربين يغادرون مناصبهم، في الوقت الذي يشكل وجود نظام عدالة محلي أو نظام حكم يتمتع بالجودة والنزاهة أمورا غير مضمونة، وحكم القانون في العراق يعاني من الفساد والتجاذب الطائفي والعرقي والقبلي.

والنتيجة النهائية لهذه الجهود تظهرها الإحصاءات التي ينشرها "مكتب المفتش العام الخاص لإعادة إعمار العراق" والتي تشير إلى وجود ما مجموعه 929103 فردا ضمن قوات الأمن العراقية حتى 10/10/2011، تنقسم على الشكل الآتي: قوات وزارة الدفاع 279103 فردا، يشكل الجيش العراقي من إجماليها 200 الف جندي، قوات وزارة الداخلية يبلغ مجموعها 645800 فرد، وتشكل قوات الشرطة العراقية منها 325 الف نفر، هذا إلى جانب قوة لمكافحة الإرهاب يبلغ تعدادها 4200 فرد.

لكن القوات العراقية ضعيفة البنية بطرق أخرى. قد يكون بإمكان العراق إعادة بناء قواته التقليدية بمساعدة الولايات المتحدة، لكن صافي تأثير الغزو الأميركي عام 2003 كان تحطيم هذه القوات وإضعافها إقليميا. ويقدر الخبراء الأميركيون ان القوات العراقية لن تشرع بأن تصبح قوية بما فيه الكفاية للعمل كرادع رئيسي ودفاعي إلا بعد عام 2016.

 

التحديات الاقتصادية

واستنادا إلى تقديرات وكالة الاستخبارات الأميركية، فإن نصيب الفرد من الدخل في العراق متدن كثيراً حيث يحتل المرتبة 161 في العالم، وان تسيير أمور الحكم ضعيف جدا، هذا إلى جانب تفشي الفساد. ولا تواجه أميركا فقط تحديات إقليمية في العراق، لكن أيضا تحديات يفرضها واقع أن العراق يبقى دولة ضعيفة، تتسم بوضع أمني واستقرار اقتصادي وسياسي غير مأمون الجانب.

ويوجد في العراق مستوى من الفساد جعل منظمة "الشفافية الدولية" تصنفه في الترتيب 175 من اصل 182 دولة في 2011، وهذا يجعله الدولة السابعة الأكثر فسادا في العالم.

وقد فشل العراق في تمرير قوانين استثمار فعالة وقوانين ضريبية وقوانين ملكية، كذلك فشل في إيجاد قوات امن فعالة لحماية بنيته التحتية وقطاع أعماله، على الرغم من مرور نصف عقد من جهود التشريع المتعثرة. ويعاني قطاعه الزراعي الذي يشكل 22% من القوة العاملة من نقص في الرساميل والمرافق والخدمات الداعمة، كما يعيش 25% من سكانه تحت خط الفقر تقريبا، وترتفع البطالة بين الشباب العراقي.

 

الثروة أم اللعنة؟

تأتي عمليا كل الثروة المتاحة من قطاع النفط العراقي والخدمات ذات العلاقة، وتصف وكالة الاستخبارات الأميركية تأثير هذا القطاع على الشكل الآتي:

"يهيمن القطاع النفطي على الاقتصاد العراقي حيث يشكل أكثر من 90% من الإيرادات الحكومية و80% من عائدات النقد الأجنبي. وفي 2011، ازدادت صادرات بغداد النفطية إلى مستويات تتجاوز 1.9 مليون برميل في اليوم، وذلك نتيجة لعقود نفط جديدة، لكن هذه المستويات سوف تقل على الأرجح عن مستوى 2.4 مليون برميل في اليوم الذي يتوقعه العراق في موازنته"

والعراق لم يتمكن من مسح احتياطياته من النفط والغاز، أو الاستثمار في تطويرها بكفاءة منذ عام 1980. وتلحظ وكالة معلومات الطاقة في وزارة الطاقة الأميركية الآتي: "ان احتياطيات النفط المؤكدة في العراق تصل إلى 115 مليار برميل، على الرغم من أن تلك الإحصاءات لم تتم مراجعتها منذ عام 2001. ويقدر الجيولوجيون أن الأرض غير المستكشفة في غرب البلاد وجنوبها قد تحوي 45 إلى 100 مليار برميل إضافي من النفط القابل للاستخراج. ويتمثل تحد رئيسي في تطوير القطاع النفط العراقي في ان المصادر الهيدروكربونية ليست موزعة بالتساوي بين الخطوط الطائفية والديمغرافية.

ولدى العراق تسعة حقول نفط تعتبر آبار سوبر عملاقة، أي تحوي ما يزيد عن 5 مليارات برميل، إلى جانب 22 حقلا عملاقا معروفا بأكثر من مليار برميل. واستناداً إلى بعض المستشارين المستقلين، يشكل تكتل الحقول سوبر عملاقة في جنوب شرقي العراق 70-80 % من احتياطيات النفط المؤكدة في البلاد، في الوقت الذي يقدر الإحتياطي في الشمال ما نسبته 20%، والسيطرة على حقوق الاحتياطيات يشكل مصدر خلاف بين الأكراد والمجموعات الأخرى في المنطقة.

ولقد بدأ العراق ببرنامج تطوير طموح لتطوير آبار النفط لديه ولزيادة إنتاجه النفطي. وتمرير القانون الهيدروكربوني المقترح الذي سيزود بهيكلية قانونية للاستثمار في هذا القطاع، يبقى هدفا رئيسيا للسياسة. وعلى الرغم من غياب هذا القانون، فإن وزارة النفط العراقية وقعت 12 عقدا طويل الأمد بين نوفمبر 2008 ومايو 2010 مع شركات نفط دولية لتطوير 14 حقلا نفطيا منتجا أو مستكشفا لم يجر تطويره، وذلك على مرحلتين.

وهذه العقود تغطي حقول نفط باحتياطيات مؤكدة تصل إلى اكثر من 60 مليار برميل، أي اكثر من نصف احتياطيات النفط المؤكدة الحالية للعراق.

ويتوقع العراق الوصول إلى قدرة إجمالية 12 مليون برميل في اليوم بحلول 2017. لكنه يواجه العديد من التحديات في اللحاق بهذا الجدول الزمني، وأهمها نقص المنفذ لزيادة هامة في إنتاج النفط الخام. كما أن البنية التحتية العراقية الخاصة بالتكرير والتصدير تحتاج إلى تطوير.

وصادرات النفط العراقية تسير حاليا بأقصى قدرتها في الجنوب، في الوقت الذي حدت أعمال التخريب من قدرتها على التصدير في الشمال، حيث تحتاج حقولها توسعات لتصدير كميات اكبر بكثير. إن زيادة الإنتاج إلى النطاق المخطط له سوف يتطلب أيضا زيادات ملحوظة في الغاز الطبيعي، أو حقن المياه للحفاظ على ضغط خزان النفط ورفع إنتاج النفط.

ولدى العراق غاز مصاحب يمكن استخدامه، لكنه يشتعل حاليا. وهناك خيار استخدام المياه لإعادة الحقن، لكن المياه المتوافرة محليا تستخدم في جنوب العراق، والمياه العذبة تشكل سلعة ثمينة، وكميات كبيرة من مياه البحر سيتعين ضخها عبر أنابيب على الأرجح، وهذه يفترض بناؤها. وتقدر شركة "إكسون موبيل" أن ما بين 10-15 مليون برميل في اليوم من مياه البحر قد يكون ضروريا لخطط التطوير العراقية بكلفة تتجاوز 10 مليارات دولار.

واستنادا إلى مجلة "النفط والغاز"، فإن احتياطيات العراق من الغاز الطبيعي المؤكدة تبلغ 112 تريليون قدم مكعب، حيث يحتل المرتبة العاشرة في العالم. وتقع حوالي 70% منها في جنوب العراق. أما الاحتياطيات العراقية المحتملة، فقد قدرت بحوالي 275-300 قدم مكعب. ويذكر ان ثلثي مصادر الغاز الطبيعي في العراق مصاحبة لحقول النفط، وأن ما يقل عن 20% من احتياطيات الغاز المعروفة غير المصاحبة تتركز في حقول عدة في الشمال.

وقد ازداد إنتاج الغاز الطبيعي العراقي من 81 مليار قدم مكعب في 2003 إلى 522 مليار قدم مكعب في 2008. ويستخدم بعضه كوقود لتوليد الكهرباء، في الوقت الذي يعاد حقن بعضه الآخر لاستخراج النفط. ولقد اشتعل اكثر من 40% من الإنتاج عام 2008، وتقدر شركة "رويال داتش شل" خسائر الاشتعال بمليار قدم مكعب في اليوم.

وهناك مرافق خمسة لتصنيع الغاز الطبيعي في العراق يمكنها تطوير اكثر من 773 مليار قدم مكعب في اليوم هي في حكم المعطلة. كذلك، تعتبر صناعة النفط والغاز الزبون الصناعي الأكبر للكهرباء، مشكلة أكثر من 10% من إجمالي الطلب، وزيادة كبيرة في إنتاج النفط يتطلب زيادة في توليد الطاقة، لكن العراق يعاني من نقص، ويحتاج قطاع الكهرباء إلى تحسينات مهمة للإمداد بطاقة إضافية".