كان عام 2011 سنة الانتفاضات العربية، وكل ما جرى كان متوقعاً حصوله منذ سنوات، كما كان متوقعاً فوز الإسلاميين بالانتخابات. ويفترض التعجب لقلة الناس الذين رأوا مجيء تلك الانتفاضات العربية، ولماذا ما ان بدأوا برؤيتها حتى أساء كثيرون منهم فهم معناها والى أين تتجه؟

والجواب المختصر على السؤال الأول انه من السهل الخلط بين الجمود والهمود، فمصر كانت جامدة سياسياً لحوالي 60 عاماً، وتونس كانت كذلك لأكثر من خمسين عاماً، وليبيا لحوالي 40 عاماً، فلماذا لا يستمر الوضع على هذا المنوال لبضعة عقود أخرى؟ إلى جانب ذلك، يفترض أن العالم العربي شعر بالفزع مما حصل في العراق، واتخذه درساً لما يحصل عندما يسقط الرجل القوي.

وبالنسبة للسؤال الثاني، فإن الإجابة عنه ربما تقتضي القول إن الأمل والتغيير كلمتان يفضل إبقاؤهما منفصلتين، وبدءاً من يناير من السنة الماضية، أزيح فجأة تشاؤم غير منطقي بقدرة العالم العربي على إحداث تغيير، لتحل محله في المقابل نشوة غير مفهومة، فقد انهار افتراضياً 14 قرناً من الميول المحافظة في وجه 140 شخصية ثورية على موقع تويتر، وبرز فجأة شخص مثل المدير التنفيذي لغوغل وائل غنيم كليخ فاليسا في بولندا، وبدا أنه عام 1989 مجدداً.

لكن عام 1989 كان القالب الخطأ، فقد انتفض العالم العربي ضد قادة لا يتمتعون بشعبية من قبل مثل العثمانيين والبريطانيين والملوك الضعفاء. وما حصل في عام 2011 كان انتفاضة مماثلة، لكن هذه المرة ضد الأوتوقراطيين العلمانيين.

والانتفاضة لا تعني دوماً شيئاً كريهاً، فالرئيس الليبي معمر القذافي استحق مصيره، ولا احد سوف يذرف دموعاً على الرئيس المصري السابق حسني مبارك، أو الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، وعام 2011 شكل إنذاراً لكل من يطمح للحكم إلى الأبد.

لكن عام 2011 يذكر أيضاً بملاحظة أدموند بيرك الشهيرة ومفادها أنه في الوقت الذي يمثل تشكيل حكومة أمراً سهلاً، وربما إعطاء الناس الحرية لتشكيل حكومة حرة أمراً أكثر سهولة، إلا أن "تهدئه تلك العناصر من الحرية والتقييد المتناقضتين في عمل واحد متماسك" هو أصعب مهمة على الإطلاق. والمصريون يفشلون بشكل جلي في هذا، ولنر ما إذا كان التونسيون والليبيون والعراقيون وغيرهم بإمكانهم تحقيق ما هو أفضل من المصريين.

والتحدي المطروح أمام العالم العربي اليوم يتمثل في ما إذا كان بإمكانه الوصول إلى الليبرالية من خلال آليات الديمقراطية. والتجربة الواسعة للغرب تفيد بأن المؤسسات الديمقراطية بزغت من ثقافات هي أصلاً حاضنة لأفكار لوك وسبينوزا وسميث وفولتير.

ما إذا كانت الديمقراطية ستقوم بتدجين تلك الأحزاب وتهدئتها مع مرور الوقت، أو العكس، يبقى سؤالاً مفتوحاً للنقاش.

وباستثناء ليبيا، وبتردد شديد، كانت أميركا أساساً متفرجة في كل ما يجري، وهذا كان في أحد جوانبه بحكم الضرورة، وعموماً بخيار من الإدارة الأميركية، وهذا أيضاً يمكن أن يذكر بالدرس الأخير لعام 2011، ومفاده توقع نجاح التغيير من دون خبرة هو انتصار للأمل على التجربة.