إن تاريخ الأمم ليس عبارة عن سرد لشؤون الدولة، بل يتعلق أيضاً بشجاعة مواطنين سحبوا قبولهم بالحكام غير الشرعيين. وكانت شخصية العام لصحيفة «تايمز» رجلاً دفع حياته لاتخاذ هذا الموقف البسيط لكن الجوهري، وهو محمد البوعزيزي، البائع المتجول الذي توفي في اليوم الرابع من بداية سنة 2011 بعد إشعال النار بنفسه. ولقد اشعل انتحاره احتجاجات أسقطت نظاماً وإقامة سابقة لاحتجاجات شعبية في العالم العربي، والمحصلة النهائية لهذه الانتفاضات مازالت بعيدة عن الوضوح.

كانت آفاق حياة البوعزيزي في دولة أخرى، وفي قارة أخرى، وفي زمن آخر أكثر إشراقاً. كان بدون عمل ولجأ إلى بيع الخضار على عربة في الشارع. لم يكن يحمل ترخيصاً، فصادرت السلطات إنتاجه، فاشعل النار في جسمه لينتقل لهيبها سريعاً ويحرق نظاماً كان قد أساء حكم البلاد، وليقتلع طريقة تفكير كانت تفقر العالم العربي روحياً وفكرياً. وتضحيته بنفسه صدمت الأمة وحرضت على اندلاع احتجاجات اطلق عليها الربيع العربي، تيمناً بربيع براغ عام 1968.

والحرية أو حتى تحسين شروط حياة الناس ما زالت أموراً غير مؤكدة، لكن لم يعد بإمكان أي نظام الوثوق بأنه يمكن التساهل بعد الآن مع القوة المتعجرفة، وتونس فيما مضى جمعت القمع مع التنمية الاقتصادية المزعومة. وهذا النموذج فشل بشكل واضح. فقد ضعف النظام لأنه لم يؤمن التنمية التي وعد بها، وكانت جريمته الأساسية إعاقة أمل الأجيال وتطلعاتها.

ولم يكن شخص واحد في طليعة الاحتجاجات التي انتشرت عبر العالم العربي، ولم تبرز شخصية إلى الآن كقائدة للمستقبل.

لكن يبقى أن الحدث خلال العام الماضي دفعت به قدماًً شجاعة أناس كثر في مواجهة الطغيان، وكان البوعزيزي واحداً منهم.