أخطأ كثيرون في موقفهم حيال الانتخابات التونسية التي جرت في 23 أكتوبر الماضي. والنتيجة الأهم لم تكن فوز حركة النهضة الإسلامية التي حصدت 89 مقعداً من أصل 217 مقعداً في الجمعية التأسيسية التي ستصيغ دستوراً جديداً للبلاد، بقدر ما كانت رغبة الإسلاميين في إثبات أنهم تغيروا.

كنا نتعامل في تونس مع مرحلة يمكن وصفها بالثورة المضادة، ولقد استخدمت تعبير «مرحلة» لأن الحدث الأهم، والأكثر حسماً، سيكون الانتخابات التشريعية التي ستجرى بعد عام من نقاشات الجمعية التأسيسية المنتخبة أخيراً.

وتعد مدة سنة فترة طويلة من الزمن، ويمكن أن يحدث خلالها أي شيء، لذا فالوقت لا يزال مبكراً بالنسبة لأنصار تونس "العصرية" للتعبير عن خيبة أملهم والقول إنهم لم يكونوا على إلمام بأوضاع شعبهم. فحزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي يمثل "الحداثيين" ويقوده الناشط في مجال حقوق الإنسان المنصف المرزوقي، جاء في المرتبة الثانية، وحصد 29 مقعداً، ويمكن أن يشارك حركة النهضة في نوع من التحالف الحاكم.

 

توجيه اللوم

وبالتأكيد الحداثيون يمكنهم لوم أنفسهم، لتقليلهم من شأن نسبة الأصوات التي حققتها حركة النهضة، وأيضاً للتقليل من شأن قدرتهم على تأجيج مشاعر المصوتين التونسيين وشحن مخيلتهم. وبلا شك، الحداثيون يمكنهم أيضاً لوم أنفسهم لفشلهم في تجنب الفوضى التي سببها انقسامهم في ظل مجتمع محافظ بقوة.

لكن ماذا سيحصل للتيار الديني في تونس عندما يحاول الحزب الإسلامي الفائز إقناعنا بأنه يؤيد القيم الديمقراطية؟ بكل وضوح، فإن الانتخابات كانت قضية دعوة من الشعب التونسي نفسه لوقف شرعي لثورة حملها هذا الشعب في الأصل ثم انتشرت على أرجاء العالم العربي، والصدمة التي أحدثها فوز حركة النهضة هي من الأهمية ومليئة بالمعاني بقدر الصدمة التي أحدثتها الثورة في تونس في يناير 2011، وربما من الأفضل استخدام تعبير آخر غير الصدمة، ذلك أن هذا الفوز في بعض القطاعات المحددة كان عبارة عن موجة من الرعب، في الوقت الذي تجسد في قطاعات أخرى بمشاعر عامة بالارتباك، والسبب ان كل جانب من جوانب هذا الحدث كان محيراً وغامضاً وغير مرجح.

ملاحظات هادفة

الملاحظة الأولى، تجربة تونس تعد تذكيراً بأن انتفاضة ضد الطاغية، وحتى انتفاضة ناجحة، قد لا تصل إلى مصاف الثورة ضد التقاليد. ولقد ابتهجت جماعة الإخوان المسلمين في مصر لاعتقادها ان إخوانها في تونس ساعدوا في دفع قضيتها في مصر إلى الأمام. وتلا ذلك، تأكيد بعض القادة الليبيين بأن حكومتهم المستقبلية ستكون ذات توجه ديني في طبيعتها وأنهم يأملون أن ينظر اليهم كإسلاميين "معتدلين". ومازال يستحيل معرفة طبيعة هذا الاعتدال خصوصاً بعد مقتل الرئيس الليبي السابق معمر القذافي. وفي الجزائر والمغرب حيث سمع الحكام بانزعاج شديد عزفاً متواصلاً على منوال "النموذج التونسي" في الحكم، فإن الرجال في السلطة باتوا يشعرون بالاطمئنان الشديد.

وبتعابير أخرى، تبدو آفاق قيام ديمقراطية على الطريقة الغربية الآن ليست إلا ذكرى عابرة، وقد فاز سحر الولاء للتقاليد على رومانسية انتصار الحرية.

وملاحظة أخرى تتعلق بالغموض المدروس لزعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، الذي لم يخف أبداً تعاطفه القوي مع مبادئ حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين المصري. وعندما أسس الغنوشي حركته الإسلامية في عام 1981، وهي السنة التي تم فيها اغتيال الرئيس المصري الأسبق أنور السادات، كان متيقناً من أن الإسلاميين ليسوا دعاة ديمقراطية على الإطلاق، والمتعارف عليه اليوم نبذه للعنف، في الوقت الذي يعبر فيه الأصوليون في كل الوطن العربي عن تضامنهم مع مجموعة من الحركات المسلحة. لكن لم يعد بإمكاننا غض الطرف أيضاً عن واقع ان الغنوشي هذه الأيام لا يكف عن الإشادة بالحكومة التركية والطريقة التي توفق فيها بين الهوية الإسلامية والدفاع عن الحريات المدنية، ويقول انه يزمع إيجاد المثال الأكثر ديمقراطية للحكم في العالم العربي.

 

خطوة ناقصة

والخطوة الناقصة الأخرى للغنوشي جاءت في 26 أكتوبر الماضي عندما وجه انتقادات إلى الطريقة التي يمزج فيها التونسيون بين اللغة الفرنسية والعربية. ويتعين علينا أن نشير هنا إلى انه على نقيض مؤسس تونس الحديثة، الحبيب بورقيبة، فإن اللغة الثانية التي يتكلم بها الغنوشي هي الإنجليزية، وليست الفرنسية. وهو عضو من جيل الإسلاميين الذين وجدوا ملاذهم في لندن، المدينة التي كان يجري الإشارة إليها عموماً بـ "لندنستان". وهذا الدفاع عن اللغة العربية الذي يأخذ أساساً شكل الإدانة لاستخدام الفرنسية حصل في أوساط إسلامية عدة، لاسيما في المغرب.

وأخيراً، الحديث عن أن الإسلاميين كانوا الضحايا الوحيدين للرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي يعد أمراً غير منصف بحق كل المعارضين للرئيس بن علي من الديمقراطيين والتقدميين ممن واجهوا السجن والاضطهاد. لكن يبقى أن الأعداء الذين استهدفهم بن علي كانوا الإسلاميين فعلاً. ولقد بدأت هجماتهم المسلحة قبل مدة طويلة من انقلاب 1987 الذي اسقط الرئيس مدى الحياة الحبيب بورقيبة، وهو الذي حاربهم أيضاً. وفي تلك الفترة، وعلى امتداد فترة زمنية، فإن الجميع عملياً في تونس كان مسروراً لرؤية التحرك المسلح من فعل المتشددين الإسلاميين مطارداً وقد تم القضاء عليه.

وملاحظة ثالثة هي ماذا يحصل مع التونسيين في فرنسا؟ كيف يمكننا شرح واقع ان رجالاً ونساء اختاروا الحياة في دولة ليست دولتهم، وفي أحيان كثيرة قرروا ان يصبحوا جزءاً من المجتمع الفرنسي، وفي أحيان أخرى سعوا لترسيخ جذور عميقة لهم في فرنسا، كان بإمكانهم ان يصوتوا في بلدان موطنهم لزعماء هم على نقيض تام لروحية بلد أقامتهم بالتبني؟ كيف لنساء تتمتعن بالحماية الكاملة للقانون على مختلف المستويات وهن في منفاهن في فرنسا أن لا يردن تطبيق تلك القوانين نفسها في أرض ميلادهن؟ وهذا ما تقوله هاته النسوة: لا أحد ناهيك عن الغنوشي سيقوم بإبطال القانون الذي وضعه بورقيبة والذي يقضي بحظر تعدد الزوجات وبضمان حقوق النساء.

وطبعاً، يجب الإقرار بأن جزءاً من الدعم لحركة النهضة ولغيرها من المجموعات الإسلامية ينبع من أعمالها الخيرية وبرامجها الاجتماعية، التي هي غالباً اكثر فعالية من المنظمات الإنسانية، كالصليب الأحمر أو الحكومات، وتساعد مثل تلك النشاطات في فهم، على سبيل المثال، السبب الذي يدعو حوالي 40% من التونسيين في الضواحي الباريسية إلى التصويت لحركة النهضة، تماماً كما يحصل في تونس نفسها.

بالإضافة إلى ذلك، وعلى الرغم من تمتعهم في العيش ببلاد هي بالتأكيد حرة، إلا أن فرنسا هي أيضاً بلاد التغيير فيها يعتبر أمراً ثابتاً. وهم يأملون في المحافظة على فرصة العودة إلى موطنهم وأرض ميلادهم، حيث تجري المحافظة على التقاليد، وحيث لا تجري تغييرات في الصميم إلا ما ندر. ان قوة الحنين هي إذن أقوى من الحاجة إلى الحرية للعديد من التونسيين الذين يعيشون في فرنسا، وهذه المشاعر منتشرة تقريباً في كل مكان حول العالم.