هاجم الرئيس الأميركي باراك أوباما، خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده أخيراً للإعلان عن تعديلات في الإنفاق الدفاعي الأميركي، منتقدي سياسته الخارجية من الجمهوريين، وذلك بالرد عليهم بقوة قائلا: اسالوا أسامة بن لادن ما إذا كنت أنخرط في التهدئة.

ولدى الرئيس الأميركي وجهة نظر لا تنقصها الوجاهة. فغارة القوات الخاصة للقضاء على بن لادن في عمق باكستان كانت ضربة جريئة للغاية. وكذلك حكم الإعدام الذي اتخذه خارج نطاق القضاء بحق المواطن الأميركي أنور العولقي في اليمن. وعموما، كان الرئيس الأميركي آلة قتل حقيقية عندما اقتضى الأمر التعامل مع المتشددين المناهضين لأميركا.

حيث صعد ضربات الطائرات الموجهة عن بعد ضد أعداء أميركا الأكثر تطرفا وضاعفها عشر مرات. ومع كل هذا التذمر حول القيادة من خلف، فإن النتيجة في ليبيا لا تحتمل الجدل: قال أوباما إن الرئيس الليبي السابق معمر القذافي يجب ان يغادر، ووظف القوة العسكرية الأميركية في المهمة التي تجعل هذا الأمر ممكنا، وذلك بطريقة سريعة من دون الوقوع في ورطة وبكلفة متدنية على الولايات المتحدة.

وظاهريا، يبدو أن الرئيس الأميركي أوباما قد أظهر صلابة وعزماً، واستعدادا لممارسة القوة بحكمة، لحماية نفسه من ضربات خصومه السياسيين. واستطلاعات الرأي تشير إلى قبول واسع بإشرافه على الشؤون الخارجية، على الرغم مما يبدو عليه من ضعف على الصعيد الاقتصادي. وبالنسبة لغالبية الأميركيين، فإن الشكوك حول كفاءة أوباما في ممارسة دوره كقائد للقوات المسلحة قد هدأت إلى حد بعيد.

لكن مع ذلك سيكون خطأ جسيما الاستنتاج بأن الانتقادات الموجهة لسياسة أوباما الخارجية لا تستند إلى أسس. فالشعب الأميركي ربما يكون قد وصل إلى مستوى من الارتياح لقيادة الرئيس أوباما، إلا أن الأوضاع فيما وراء البحار لاسيما في مناطق العالم الأكثر اضطرابا، كالشرق الأوسط،، تشير إلى أن الإيمان بقوة أميركا ومصداقيتها وعزمها قد انحسر بشكل خطير، وهناك مخاوف عميقة من غياب الرؤية الاستراتيجية للإدارة الأميركية، وغريزتها للتراجع وتواطئها في تفكك إمبراطوريتها التي ضمنت أمن المنطقة.

والمؤشرات موجودة لمن يهمه رؤيتها. وفي مقالة نشرت أخيرا، أشار أحد كبار مراسلي صحيفة نيويورك تايمز من الشرق الأوسط إلى أن العالم العربي أصبح ينظر بشكل متزايد إلى الولايات المتحدة كقوة في حالة تراجع.

وكذلك أفاد ديفيد إغناتيوس، كاتب العمود الصحافي في صحيفة واشنطن بوست، في إحدى مقالاته عن ظهور نشاط جديد في سياسة دول الخليج نتيجة لتقلص نفوذ الولايات المتحدة، معتبرا أن قادة هذه الدول يجدون أوباما قائدا ضعيفا نسبيا.

وأزمة الثقة أصبحت حادة إلى درجة كبيرة، حيث بات حلفاء أميركا الأقرب إليها يتساءلون علناً عن مدى إمكانية الاعتماد على واشنطن ونشاطها. فبعد أشهر من معانقة أوباما السريع للثورة المصرية التي أسقطت الشريك العربي الأهم للولايات المتحدة الرئيس المصري السابق حسني مبارك، بدا أن القادة العرب قد تعبوا من التعامل مع الغرب، لا سيما بالنظر إلى السرعة التي أدار بها الناس في الغرب ظهرهم إلى الرئيس مبارك، وهذا الأمر قد يؤدي إلى محاولة معظمهم الذهاب كل في طريقه.

ومشاعر الارتياح والخوف المعبر عنها هي اكثر حدة في الاحاديث الشخصية مع المسؤولين في الشرق الأوسط. ويبدو أن هؤلاء القادة، قاسوا إجراء أوباما وخبروه ووجدوه ليس على مستوى التوقعات. ولائحة اتهامهم تتضمن الانسحاب من العراق وقريبا أفغانستان، وخيانة حلفاء أميركا القدامى لاسيما مبارك، وسياسة التساهل والوعود المبالغ بها لإنهاء القضية الفلسطينية، وفشل الرئيس الأميركي في اتباع نوع من السياسة الحازمة ذات المصداقية الذي يعتقد هؤلاء القادة أنها ضرورية للتعامل مع أي تهديد للمنطقة.