بدا الرئيس الأميركي باراك أوباما في البنتاغون، أخيرا، بمظهر قلما نراه فيه، محاطاً بوزير دفاعه وقادة الأسلحة الأميركية الأربعة، وهو يقول إن الأوان قد حان لجني فوائد السلام المالية، كاشفاً عن خطط لاقتطاعات هامة في النفقات العسكرية. وقد تم تصميم هذه المشهد لإظهار القوة، لكن عدا ذلك، فإن كل ما يحيط به لا يظهر شيئا، باستثناء الطريقة التي سيبدأ بها الإنفاق على برامج الإعانات في أميركا بتقليص برامج الجيش الأميركي.
وهذا الهجوم المفروض ذاتيا في المجال الدفاعي يأتي في وقت غريب. صحيح أن الولايات المتحدة قد خفضت الإنفاق كثيرا بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الكورية وحرب فيتنام والحرب الباردة، وفي كل حالة سرعان ما كانت تندم على قيامها بذلك عند بروز تهديدات جديدة، لكن السلام، في المقابل، ليس سمة عصرنا، واستخدام أوباما براعته في حديثه المألوف عن أن الحرب في انحسار، سيرضي قاعدته المناهضة للحرب بلا شك، إلا أنه سيكون له وقع المفاجأة على قوات مشاة البحرية الأميركية في أفغانستان أو السفن البحرية التي تقوم بدوريات في مضيق هرمز.
ولا يفترض أن يكون البنتاغون محصنا ضد عمليات التدقيق المالي، لكن هذه الإدارة استهدفت الدفاع منذ وصولها، ولا تزال تمضي قدماً بعملية تقليص النفقات. وكان البيت الأبيض قد وصل العام الماضي إلى تسوية مع الكونغرس تقضي بتخفيض مبلغ 450 مليار دولار في الموازنة العسكرية حتى عام 2021.
مضافا إليه مبلغ 350 مليار دولار للإنفاق على برامج للتسلح تم التخلص منها قبل ذلك التاريخ. والمتوقع ان يتراجع الإنفاق الدفاعي العام المقبل بنسبة 1% بالقيمة الاسمية، وأن تواجه البنتاغون احتمال اقتطاع 500 مليار دولار إضافية في يناير المقبل تحت بند ما يسمى الاستيلاء إذا لم يتقدم الكونغرس ويقف بالمرصاد قبل حصول ذلك.
وبالإجمالي، يمكن ان تتقلص الموازنة بنسبة تزيد على 30% في العقد المقبل. وتتوقع الإدارة الأميركية نفقات نسبتها 2.7% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2021، بتراجع عن نسبة 4.5% السنة الماضية التي تتضمن حرب العراق وأفغانستان، وهذا يعني أنها ستكون سنة سيئة للنفقات الأميركية قياسا بعام 1940، وبالمقارنة مع سنة 1986، التي تعد سنة أفضل على هذا الصعيد، أنفقت أميركا 6.2% من الناتج المحلي الإجمالي على الدفاع، من دون أي تأثير ضار على الاقتصاد.
فما هو العنصر المختلف الآن؟ إنها الاستحقاقات المتزايدة للدولة. فالإدارة تجري خيارا سياسيا تتجنب فيه الضمان الاجتماعي، برامج مدي كير ومدي كيد، اللذين من المتوقع أن يصلا إلى نسبة تقرب11% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2020، وهذه الكلفة ستزداد مع إضافة مبلغ 2.6 تريليون دولار لأوباما في مجال الرعاية الصحية.
وقد بدأت هذه الاستحقاقات بالضغط على نفقات الدفاع، وهذا الأمر سيقلص مكانة أميركا الدولية بعد المسار المأساوي الذي اتخذته أوروبا. والفارق هو ان أوروبا لديها احتياطي من الجيش الأميركي، لكن من يساند أميركا؟
قيل ان وزير الدفاع ليون بانيتا، الذي وصل إلى منصبه الصيف الماضي يقول إنه لا يريد ان يذكر في التاريخ باعتباره الرجل الذي عمل على تحويل المؤسسة العسكرية الأميركية إلى كيان أجوف. لكن المقايضة الأمنية المفروضة عليه من قبل البيت الأبيض ستترك العسكر كقوة في وضع اقل عظمة وجهوزية وهيمنة، وذلك في عالم لا يزال محفوفا بالمخاطر الكبيرة.
ويكمن جزء من المشكلة في ان تكاليف الطواقم العسكرية تزيد بوتيرة تتجاوز الموازنة الدفاعية بأكملها بحلول عام 2030، بحسب أندرو كربينافيتش من مركز التقييمات الاستراتيجية والميزانية. ويصعب تبرير الجانب السياسي والأخلاقي لتقليص منافع قدامى المحاربين والجنود، لكن في هذا المجال بالتحديد يمكن ان يظهر وزير الدفاع بانيتا براعته في كابيتول هيل، بإصلاح برامج الرعاية الصحية في الجيش، والكم الأعظم من أي موازنة دفاعية يفضل إنفاقه على المعدات والتدريب والبحوث.
وسيجري الإعلان بالتفصيل عن اقتطاعات محددة في الموازنة المقبلة للبنتاغون، حيث يتوقع ان تخضع طائرة إف-35 لمزيد من التأخير. لكن بعد عقد من الحروب، تحتاج الأسلحة الأميركية الأربعة جميعها إلى إحلال المعدات المتهالكة والغواصات النووية الأميركية والصواريخ والقاذفات التي تم شراؤها خلال فترة الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان، بعد ان وصلت إلى نهاية فترة خدمتها، لكن هذا على الأرجح لن يحصل في وقت قريب.
لقد حاول وزير الدفاع بانيتا ورئيس القوات المشتركة الجنرال مارتن دمبسي، ببسالة أخيرا إلباس هذه الاقتطاعات لباس التحول الاستراتيجي بدلا من لباس الانسحاب. لكن الرسالة الحقيقة للعالم هي ان هذه الإدارة تريد تقليص الزعامة الأميركية.
وكان الرئيس أوباما قد أنهى ملاحظاته باستخدام مقتطفات من خطاب الرئيس الأميركي الأسبق دوايت أيزنهاور حول الحاجة إلى الحفاظ على التوازن بين البرامج الوطنية وهذا المقطع مأخوذ من خطاب الوداع عام 1961، والمعروف بخطاب المجمع العسكري الصناعي. لكن الموقف الدفاعي الجديد لأوباما يذكر بمقطع آخر من خطاب لأيزنهاور كان قد ألقاه قبل سنتين يقول فيه: إن الضعف في التسلح غالبا ما يجلب العدوان.
