نهج المراوحة الذي تتبعه حركة طالبان الأفغانية المتمثل في استئناف وإيقاف المفاوضات بشأن التسوية السلمية يبدو أنه عاد إلى الاستئناف. أو هكذا يبدو من خلال إعلانها عن افتتاح مكتب تمثيل لها في قطر ليكون لها عنوان آمن (وتبدو هذه هي الصيغة الدبلوماسية السائدة) يمكنها انطلاقاً منه المشاركة في المحادثات.

حتى أولئك المتفائلين بشأن احتمالات التوصل لاتفاق قوي بما فيه الكفاية لإنهاء الحرب بشكل فعلي في أفغانستان يمضون بحذر، يلقون بالتكهنات مع محاذير. وهم يفعلون ذلك عن حق في ضوء ما حدث في الماضي.

في شهر نوفمبر من عام 2010، على سبيل المثال، انتحل محتال شخصية مبعوث بارز من طالبان يسعى إلى الشروع في عملية سلام مع الحكومة الأفغانية، حيث استولى على مبلغ كبير من الأموال المخصصة لتسهيل الأمور وتحريكها. وبعد أقل من عام، تم اغتيال برهان الدين رباني، وهو زعيم طاجيكي بارز، وقائد سابق للمقاتلين ضد الاتحاد السوفييتي السابق والرئيس الأفغاني الأسبق خلال فترة من عقد التسعينات من القرن الماضي ورئيس لجنة عينها الرئيس الأفغاني حامد قرضاي لبدء محادثات مع طالبان، وذلك في هجوم نفذه زائر كان يخفي قنبلة في عمامته. وقالت الشرطة إن الزائر ادعى أنه يحمل رسالة من حركة طالبان.

 

حيرة ومعارضة

وبصرف النظر عن عدم التيقن من التزام حركة طالبان، فإن الحيرة والمعارضة من جانب الأطراف الأخرى المهتمة تخيم على احتمالات إجراء محادثات سلام جادة. المخاوف تنتاب باكستان من أن الولايات المتحدة ربما تبرم صفقة مع حركة طالبان لا تهتم إلا اهتماماً محدوداً بالمصالح الباكستانية (التي تتضمن، قبل كل شيء، التقليل من نفوذ الهند في أفغانستان)، وتقلل من المزايا التي تحصل عليها إسلام أباد بحكم اتصالاتها الخاصة مع قيادة طالبان.

الطاجيك في أفغانستان (وهم أكبر مجموعة عرقية بعد قبيلة البشتون التي تعتبر قاعدة لحركة لطالبان) يدينون طالبان التي خاضت حرباً ضدهم بشكل متقطع خلال الفترة بين عامي 1996 و 2001، وذلك في محاولة للحيلولة دون تعرض معاقلهم في الشمال للغزو. وكان الطاجيك هم طليعة التحالف الشمالي، الذي تعاونت معه الولايات المتحدة لإسقاط نظام طالبان بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. ومن وجهة نظر معظم الطاجيك، خاصة أمر الله صالح رئيس استخبارات قرضاي بين عامي 2004-2010 الذي كان معارضاً صريحاً للمفاوضات، فربما يكون الطالباني الوحيد الجيد هو الطالباني الميت.

ثم إن هناك قرضاي، وهو من البشتون، الذي كان معارضاً في البداية لمسألة إعطاء طالبان مكتب تمثيل لها في قطر، والذي يعتبر أن اهتمام أميركا بالتفاوض مع طالبان، التي يريد زعماؤها التعامل مباشرة مع الولايات المتحدة وليس الحكومة في كابول، على أنها دليل على حالة الإعياء نتيجة الحرب. وكان السؤال الذي خطر بباله: هل سيتوصل الأميركيون إلى اتفاق لحفظ ماء الوجه ويتركون لي التعامل مع طالبان؟ لكن من المرجح أن تمضي المحادثات قدماً، وإن كان ذلك بنتائج غير مؤكدة، بسبب وجود تقارب في المصالح بين إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما وطالبان.

وقد شدّد الرئيس أوباما على أن النزاع في أفغانستان ليس له حلّ عسكري. وكان مبرره في مسألة زيادة عدد القوات في عام 2009 والتي أضافت 30 ألف جندي أميركي أن حركة طالبان كان لا بد من ممارسة الضغط عليها قبل أن يبدأ قادتها التفاوض بحسن نية، وبطرق من شأنها أن تحقق نتائج طيبة بالنسبة للولايات المتحدة. منذ ذلك الحين، شرع أوباما في تقليص الدور العسكري لأميركا، حيث تم سحب 10 آلاف جندي في أواخر عام 2011، و 23 ألفاً آخرون من المقرر عودتهم إلى الولايات المتحدة بحلول خريف العام الجاري، ويريد الرئيس الأميركي إنهاء جميع العمليات القتالية الرئيسية قبل نهاية عام 2014.

 

الصقور ينتقدون أوباما

لكن الصقور الأميركيين وجّهوا انتقادات لأوباما على الانسحاب، مدعين أن ذلك من شأنه إلحاق انتكاسة بالمكاسب التي حققتها زيادة القوات، وإضعاف معنويات الأفغان وإقناع طالبان بأن النصر قريب. وبحلول موسم الانتخابات الرئاسية الأميركية، فإن النقد اللاذع المضاد للخروج من أفغانستان سوف يزداد، ويحتاج أوباما إلى غطاء سياسي. ومن هنا فإن قيمة أن يكون قادراً على إظهار أن حركة طالبان تم إلحاق الهزيمة بها بما يكفي للمساومة، وأن الانسحاب يسير في ظل ظروف مشرفة.

من جهتها، عانت حركة طالبان خسائر فادحة، في الأرواح والأراضي، وذلك بسبب تصاعد هجمات الطائرات الموجهة عن بُعد التي استهدفت معاقلها. على الرغم من المهارة في تجديد صفوفها ووضع تكتيكات جديدة (شملت التفجيرات والاغتيالات والعمليات التي تتركز في المناطق التي تفتقر إلى وجود قوات أميركية)، فإنه من الممكن أن تلجأ طالبان إلى طلب مهلة. والأهم من ذلك، تعتقد طالبان أن المحادثات سوف تزرع الشكوك في أفغانستان حول قدرة أميركا على البقاء، مما يمنحها ميزة معنوية.

صحيح أن طالبان كانت قد أعلنت في الماضي أنها لن تتفاوض حتى ترحل القوات الأجنبية عن أفغانستان. لكنها يمكن أن تحوّل المحادثات إلى انتصار من خلال التفاخر بأنها أجبرت الولايات المتحدة على إبرام الصفقة، لأن طالبان، على الرغم من القوة العسكرية الأميركية، قد أثبتت أنها لا تقهر. وعلاوة على ذلك، فإن حركة طالبان وأوباما لديهما الكثير من القواسم المشتركة في هذا الصدد، حيث يريد كلاهما خفض القوات الأميركية، ولو لمبررات مختلفة للغاية. فمسألة وقف الحرب، رغم أنها انتقاص، تجعل من المرجح أن أوباما يمكن أن ينفّذ جدوله الزمني.