مع إطلالة عام 2012، تهيمن على عناوين الأخبار حول العالم أخطار سياسية، بشكل لم نعهد له مثيلاً منذ عقود. فأينما نظرنا إلى الاقتصاد العالمي اليوم، تواجهنا مخاوف تتعلق بالسياسات الانعزالية ومسدودة الأفق والمجزأة التي تؤثر على الأسواق. ويبدو استمرار أزمة منطقة اليورو النابعة من دوافع سياسية أمرا لا مفر منه تقريبا، وكذلك استمرار حالة عدم الاستقرار على امتداد الشرق الأوسط. وتمتد الاحتجاجات النابعة من المجتمع ضد الحكوما
ت إلى بلدان كان يعتقد أنها محمية، مثل روسيا وكازاخستان. إضافة إلى ذلك، تواجه قوى نووية، مثل كوريا الشمالية وباكستان، ضغوطا سياسية داخلية غير مسبوقة.
وللمفارقة، تبدو تأثيرات أخطار السياسية لفرط الحديث عنها مبالغاً فيها في أكثر الأحيان، كما ان التحولات في السلطة السياسية عام 2012 لن يكون لها تأثير مهم هذه السنة، لا الانتخابات الديمقراطية في أميركا وفرنسا، ولا انتقال السلطة المنظم في الصين وروسيا، على الرغم من أنها ستطال دولاً يبلغ إنتاجها 50% من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم.
بالإضافة إلى ذلك، هناك تحديات جدية لصناع القرارات على المستوى الوطني، لكن هذا لا يعني أن الحكومات كلها سترضخ للضغوط. ومنطقة اليورو لا تتجه نحو التجزئة، ويعتبر هذا الموضوع من الأخطار المبالغ فيها في تلك المنطقة.
كما أن الاقتصاد الأميركي يتمتع بقدر من المرونة أكثر مما يعتقد كثير من الناس، كذلك، ليس متوقعا تراجع الصين، إذا استطاعت بكين تفادي ذلك في عام 2012، وهي قادرة على ذلك.
إن اهم موضوع على الصعيد الكلي لعام 2012، هو أن أبرز صناع السياسة في العالم سيقومون بالتركيز المكثف على استقرار الاقتصاد المحلي، على حساب الأخطار الأمنية حول العالم، هذا في وقت الذي سيكون للسياسات تأثير غير مسبوق على الاقتصاد العالمي، وهذا الخلط بين السياسة الدولية والأسواق يرسم النهاية الرسمية لحقبة الحادي عشر من سبتمبر، ويعد أعظم الأخطار بالنسبة لعام 2012.
نهاية حقبة
شكلت نهاية 2011 الإغلاق الرسمي لحقبة الحادي عشر من سبتمبر، المتمثلة بمصرع أسامة بن لادن، وانسحاب القوات الأميركية من العراق، وتحديد التاريخ النهائي للحرب في أفغانستان. وفي عام 2012، سيبدأ العالم بوضع الحرب الدولية على الإرهاب وراءه. وهذا من التطورات الإيجابية للاقتصاد، لكن على الأغلب، سيحل ذلك محل الحرب على الإرهاب، مما سيعد سببا لقلق كبير وأكثر تأثيراً.
كانت بديهيات العولمة، تفيد أن الاقتصاد محرك الأسواق، والأمن الوطني محرك الجغرافيا السياسية، ولم يعد الأمر كذلك. فقد عملت جملة من الأحداث المنفصلة المتراكمة، والتوجهات بعيدة المدى، على طي صفحة هذه الصيغة، فيما ندخل عالما تتداخل فيه السياسة والاقتصاد تقريبا بشكل كامل.
وتتمثل الكوابيس الجديدة في الوقوع في دوامة من الركود، وفي تفاقم أزمة منطقة اليورو، والعلاقات الاقتصادية مع الصين.
وهذه أصبحت المخاطر الرئيسية للأمن القومي الأميركي، على الرغم من وجود مخاوف أمنية أخرى واضحة على الولايات المتحدة. باختصار، تعكس 2012، للمرة الأولى في تاريخ العولمة، صورة الالتقاء الكامل للسياسة مع الاقتصاد حول العالم، وتأثير ذلك أنه سيدفع بمشاعر المستثمرين إلى تفادي المخاطر، حيث سيركز هؤلاء على غياب القيادة السياسية القوية والفعالة لدى كل اللاعبين الرئيسيين تقريبا. وهذا سيقود بدوره إلى مغالاة في تقدير المخاطر السياسية، لا سيما في منطقة اليورو وفي أميركا والصين، مما سيوجد نوعا من التضليل.
والقلق حيال المخاوف الكلية سيزيل الثقة في الاقتصاد. وسيكون الحذر المبدأ الاستثماري الشامل، وهذا سيعطي دعما مستمراً للدولار، وترددا في إعادة التوازن للمحافظ المالية بالتوجه نحو اقتصادات النمو، ورغبة اكبر في البقاء في "ملاذات آمنة" مثل العملة والذهب.
في نهاية حقبة الحادي عشر من سبتمبر، ستكون السياسات محرك الاقتصاد الدولي، وسيكون الاقتصاد محرك الجغرافيا السياسية، وكل هذا سيجري على خلفية عالم متقلب يشهد فراغا في السلطة في السياسة الدولية، أي عالم من دون قوة عظمى.
غياب القوة
غياب هذه القوة سوف يصبح أكثر وضوحا في 2012، وما يعنيه هذا لناحية عدم قدرة القوى الرئيسية أو استعدادها لتحمل مخاطر أو أعباء جديدة. لكن الأوروبيين يملكون الوسائل لحل مشكلاتهم حتى لو كان ذلك بشكل عشوائي، أما آسيا فستواجه مشكلات بنيوية أهم، لكن على المدى البعيد، وبما في ذلك، في مناطق أخرى، مثل أميركا اللاتينية وأوراسيا وحتى إفريقيا، فإن الجغرافيا السياسية ليست مضطربة.
ويشكل الشرق الأوسط حالة خاصة مليئة بالتوترات الطائفية والعرقية، والغياب المستمر لهيكلية أمن إقليمية قابلة للحياة. وفي ظل استمرار الاحتجاجات، فإن الأوتوقراطيات القديمة في الشرق الأوسط هي في خطر، وهناك تحديات هائلة بانتظار الأنظمة "الديمقراطية" الجديدة، ولن يكون لغياب القوة العظمى في السياسة الدولية الأثر المباشر والخطير كما سيكون في الشرق الأوسط.
منطقة اليورو
تعتبر أوروبا المنطقة الأكثر تطورا ومأسسة في العالم، والإرادة السياسية والاقتصادية ستحافظ على منطقة اليورو، مما يسمح لها بعبور الأسوأ أقله في 2012.
والخطر الأكبر على أوروبا في 2012 ليس تجزئة منطقة اليورو، أو تفككها، ففي ألمانيا، والدول المركزية الأخرى في المنطقة وصولاً إلى المفوضية الأوروبية والمصرف المركزي الأوروبي، هناك إجماع على الحاجة للقيام بما يكفي لتفادي الكارثة، والحفاظ على ضغوط السوق لضمان التزام مستمر بالتقشف، والعمل على اختراق سياسي لتشكيل اتحاد مالي.
وصيغة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل هذه، ستضمن استمرار حالة الغموض والتقلب، التي طبعت الاستثمار والبيئة الاقتصادية حتى عام 2012. ونتيجة لذلك، فإن الانتقال التدريجي نحو حل دائم، لإنقاذ نهائي واتحاد مالي، سيكون اصعب واكثر كلفة واقل مثالية. وسيكون اصعب لأن احتمال ركود أوروبي سيصعب موافقة البرلمانات على هذه الخطط، وسيكون مكلفا اكثر، لأن الجولة القادمة من الإصلاحات ستزيد عن الأموال المطلوبة للإنقاذ، وستكون اقل مثالية لأن المقاربة الحالية، التي تضع التقشف المالي فوق أي شيء آخر تضمن اضطرابا سياسيا وعدم ثقة بين دول المركز والأطراف في المنطقة وتراجعا في النمو.
وعلى الأرجح، ستتفادى منطقة اليورو حادثة في السوق عام 2012، لكن المخاطر طويلة الأمد لن تزول. وسيزيد الغموض من مخاطر الركود قصير الأجل، ويزيد الأمور سوءاً.
كوريا الشمالية
التقارير حول الانتقال السلس للسلطة في بيونغيانغ تثير الشكوك، وغياب القدرة على تقييم ما يحصل في كوريا الشمالية يزيد من المخاطر، لكن بالتأكيد لا يوجد ربيع سياسي هناك. قد يبقى كيم جونغ أون في السلطة، لكن من غير المرجح انه سيدير فعلاً البلاد. وقد نشهد إشارات خلاف على المستويات الأعلى في الحكومة.
وفي السيناريو الأسوأ لانهيار حكومي سريع، فإن الولايات المتحدة وقوات كوريا الجنوبية ستتحركان شمالاً لضمان المواقع النووية، في حين سترسل الصين على الأرجح قواتها لوقف تدفق اللاجئين إليها وإعادة الأمن، مما يخلق احتمال صراع غير مدبر، في ظل غياب أي تخطيط طارئ أميركي صيني له. فأميركا والصين لا تزالان على طرفي نقيض في آسيا، وهذه المشكلة ستزداد اتساعا في 2012.
اضطرابات باكستان
في 2012، ستواجه باكستان اخطر التحديات منذ أزمة انفصال بنغلادش التي تعود إلى اكثر من 40 عاما. وسيتصاعد عدم الاستقرار في الوقت الذي ستزداد التوترات بين القيادة المدنية والعسكرية، وسيمضي المتطرفون في التوسع في مناطق مركزية في البلاد، وستضرب أزمة اقتصادية حادة الحكومة، وسيزيد تفكك الروابط مع أميركا من حالة التوتر. باكستان لا تتجه إلى فشل الدولة، لكن خطر عدم الاستقرار السياسي كبير، مع إمكانية زيادة التدخل العسكري المباشر في شؤون الحكومة.
وتواجه باكستان أيضا تهديدات متزايدة قادمة عبر حدودها، فالجنود الأميركيون سيبدؤون بتسليم مهام الأمن في أفغانستان إلى القوات المحلية. وبحلول نوفمبر المقبل، فإن حوالي 33 الف جندي أميركي سيكونون قد غادروا البلاد.
والفراغ الأمني سيصبح القلق المباشر الرئيسي العسكري لباكستان، في الوقت الذي سيتدفق اللاجئون الأفغان إلى المناطق التي تحتلها حركة طالبان في البلاد. وجنوب أفغانستان قد يصبح ملاذا لطالبان الباكستانية، التي تتحدى سلطة إسلام أباد في المناطق القبلية.
وسيؤدي الانسحاب الأميركي إلى زيادة المخاوف داخل باكستان من أن واشنطن تقوم "بتسليم" القيادة غير الرسمية لأفغانستان إلى الهند. وتوقعات باكستان يعززها التطور الكبير للهند والوجود الدبلوماسي لها في أفغانستان الذي سيزداد بعد انسحاب أميركا.
وفيما تحاول الهند توسيع وجودها الاقتصادي إلى آسيا، ستجد نفسها تجر إلى مستنقع الجغرافيا السياسية لجنوب آسيا، مما قد يؤدي إلى وقوع حرب بالوكالة تمتد بمشكلاتها على امتداد المنطقة. والفشل الأمني هناك قد يهدد آفاق الاندماج الاقتصادي في جنوب آسيا.
التوتر الإقليمي
في السنوات الأخيرة، قادت الصين قصة النمو الاقتصادي، مما زاد القلق في المنطقة، وأظهر الحاجة إلى توازن استراتيجي. وليس مفاجئا بالتالي ان 2011 انتهى بجملة من المبادرات الأمنية الناجحة لأميركا في آسيا، مع أستراليا وسنغافورة وإندونيسيا، مما أثار قلق بكين، وفي 2012، ستكتشف أميركا ما إذا كان هذا التوازن الدقيق يمكن الحفاظ عليه.
والعلاقات الصينية الأميركية لها حصتها في هذا التوترات، ولا أحد يريد مواجهة أمنية تقوض النمو الاقتصادي، لكن الوجود الأميركي الأمني المتزايد في آسيا سوف يعزز جيران الصين لاتخاذ مواقف سياسية أكثر حزما ضد الصين، لاسيما على القضايا الاستراتيجية. والصين ستكون ميالة للرد على التحريض بالمثل في الأشهر المقبلة.
نتائج أخرى
إلى جانب الانتخابات هذه السنة في المكسيك وفنزويلا وكينيا وتايوان وربما مصر، فإن عام 2012 سوف يرى تحولات سياسية في كل من أميركا والصين وروسيا وفرنسا، لكن هناك القليل على المحك بالنسبة لوضع الجغرافيا السياسية والاقتصاد العالمي، فمهما كانت المخاطر من نتائج هذه التحولات، فإنها ستحدث في 2013 وما بعد هذا التاريخ.
ويعتبر تفكك منطقة اليورو اكبر خطر مبالغ به عام 2012. لكن الإرادة السياسية للحفاظ على منطقة اليورو تبقى قوية، وهذا الوضع قد يتغير مع الوقت، لكن هذه المشكلة لا تشكل قصة هذه السنة.أما توقعات تراجع النمو الاقتصادي في الصين فليست صحيحة، فالنظام الصيني مغلق أساسا، وبإمكانه تفادي مثل هذه الأزمة، لأن حلها يتطلب قدرة مالية وإرادة سياسية في ظل نظام مغلق، وهذه الإرادة لن تكون مفقودة في عام 2012 في الصين.
