تصف التقارير المتعلقة بنهاية الحرب في العراق بشكل روتيني الخسائر الفادحة في صفوف الجيش الأميركي بالطريقة التي يصف بها "البنتاغون" هذه الخسائر، التي يقدرها بـ 4,487 قتيلاً و32,226 جريحاً. بالنسبة لعدد القتلى فهو دقيق، أما عدد الجرحى فهو ضئيل للغاية بالنظر إلى الجنود الأميركيين الذين عادوا من العراق على نحو يختلف عما ذهبوا إليه.

العدد الحقيقي للجنود المصابين على مدى تسع سنوات من الفشل الأميركي الذريع في العراق يقدر بمئات الآلاف، وربما أكثر من نصف مليون، إذا تم الأخذ في الاعتبار جميع الرجال والنساء الذين عادوا من مهامهم العسكرية بإصابات في الدماغ وحالات اكتئاب ما بعد الصدمة وفقدان السمع واضطرابات في التنفس، وغيرها من المشكلات الصحية ذات المدى الطويل. لا توجد أرقام تقترب من الدقة في هذا الصدد، إلا أن السبب في ذلك هو عدم وجود من يواصل متابعة هذا الأمر.

 

التصنيف المضلل

الرقم الذي كثيرا ما تورده وزارة الدفاع الأميركية يأتي من الحصيلة المتمثلة في بند "مصاب في المعركة"، وهي الفئة المصممة في نطاق محدود التي تتضمن فقط خسائر تم تكبدها خلال عمليات قتالية، وتشمل الجنود الذين "أصيبوا نتيجة سبب أو عامل خارجي".

وهذا يعني بشكل صريح أنهم كانوا بحاجة إلى علاج طبي فوري جراء طلق ناري أو تفجير. أما الذي يتم استثناؤهم بشكل واضح من هذه الفئة فهم يندرجون في فئة "الإصابات أو حالات الوفاة الناجمة عن التعرض لعناصر الطبيعة أو الإصابة الذاتية أو حالات الإعياء بسبب القتال"، جنباً إلى جنب التوتر النفسي والفسيولوجي التراكمي، أو العديد من الجروح الأخرى والأمراض والخسائر الأكثر شيوعا بين قدامى المحاربين في العراق.

وتتسم فئة "مصاب في المعركة" بأنها متسقة نسبياً، ومن الناحية التاريخية، بحيث انها لا تزال مفيدة كنقطة مقارنة مع الحروب السابقة. ولكن لا يوجد مستودع مركزي للبيانات المتعلقة بتلك الأضرار الأخرى الخطيرة في بعض الأحيان. ولدينا مجرد نقاط بيانات محدودة من هنا وهناك تشير إلى ضخامة الأضرار.

وعلى سبيل المثال، قام مركز الدفاع وإصابات الدماغ لقدامى الحرب التابع للبنتاغون بتشخيص 229,106 حالات إصابة في الدماغ تتراوح درجتها بين الخفيفة إلى الحادة، وذلك خلال الفترة من عام 2000 حتى الربع الثالث من عام 2011، بمن في ذلك قدامى الحرب من العراقيين والأفغان.

وكشفت دراسة أخرى أجريت في عام 2008 حول قدامى المحاربين الأميركيين في العراق وأفغانستان من قبل الباحثين في مؤسسة "راند" عن أن 14% أظهروا نتائج إيجابية خلال فحص اضطراب ما بعد الصدمة و 14% من حالة الاكتئاب الرئيس، مع وجود نسبة 19% سجلت حالات إصابة محتملة في الدماغ أثناء الانتشار في ميدان المعركة. وفي دراسة أخرى نشرت في عام 2008 في مجلة "نيو إنغلاند" الطبية، تبين أن 15% من الجنود سجّلت حالاتهم الاصابة خلال الانتشار والتي تضمنت فقدان الوعي أو تغيير في الحالة العقلية، و17% من الجنود سجلت حالاتهم إصابات أخرى.

 

شخص لكل ثلاث

وتشير تقديرات مجموعة قدامى المحاربين الأميركيين في العراق وأفغانستان إلى أن ما يقرب من شخص لكل ثلاثة أشخاص شاركوا في تلك الحروب يعانون من حالات اضطراب ما بعد الصدمة أو الاكتئاب أو إصابات في الدماغ. وهذا يعني 500 ألف جندي من 1.5 مليون جندي تم نشرهم في العراق.

وفي الحقيقة، يعد فقدان السمع واحداً من أكثر الإصابات شيوعاً والمرتبطة بأداء الخدمة العسكرية. فقد أظهر بحث أجراه قسم شؤون المحاربين القدامى في عام 2005 أن ثلث الجنود الذين عادوا، أخيراً، من الانتشار في أفغانستان والعراق تمت إحالتهم إلى اختصاصيين لتقييم السمع بعد تعرضهم لسماع انفجارات صوتية حادة، حيث تم تشخيص نسبة 72% منهم بأنهم فقدوا السمع.

وأعلن "ريتشارد سالفي"، رئيس مركز السمع والصمم التابع لجامعة "بوفالو" الأميركية أخيراً أن "ما يصل إلى 50% من الجنود المقاتلين العائدين من العراق وأفغانستان يعانون من طنين في الأذن" بسبب الضوضاء الشديدة التي فرضت عليهم.