بعد ليلة طويلة وصراع حامي الوطيس في سباق الانتخابات بولاية أيوا الأميركية، أدلى المرشحان ريك سانتورم وميت رومني بخطابيهما. كانت خطبة رومني غير استثنائية، فهي نسخة من خطاباته الدعائية، المفعمة بالعاطفة السياسية، حيث اقتبس كعادته دائماً من كتاب "أميركا الجميلة"، لكنه افتقد الشعور الشخصي. إلا أن خطبة سانتورم كانت شخصية للغاية. فقد تحدث عن جده، الذي كان مهاجراً إيطالياً وأصبح رجل تعدين من بنسلفانيا. وتحدث عن الجثو على ركبتيه أمام كفن جدّه عندما كان طفلاً مركزاً بصره إلى يديه المعقودتين، قائلاً في الخطاب: "يدان هائلتان.... تلك اليدان اللتان كانتا مصدر الحرية بالنسبة لي".

 

لحظة حاسمة

كانت لحظة جميلة، وربما كانت حاسمة بالنسبة لسانتورم بوصفه مرشحاً للرئاسة. وهي المرة الأولى التي يراه عدد كبير من الأميركيين أكثر من كونه رجلاً بملامح شاب على منصة المناظرات. في تلك اللحظة، كان يبدو النموذج الروحي للحزب الديمقراطي الناشئ، وهو من الطبقة العاملة والمخلص والعاطفي إلى درجة الانهماك في نطاق من القضايا، كما أنه الوجه المقابل لرومني.

سانتورم ليس محبوباً كثيراً لدى زملائه في الكونغرس. ويتم النظر إليه باعتباره متهوراً ومتذمراً وحاد الطباع وصبيانياً. فهو لا يزال يمكن أن يكون ممقوتاً في خطبه الدعائية. وقبل أيام قليلة من الانتخابات التمهيدية، قال: "لا أريد أن أجعل حياة السود الأميركيين أفضل من خلال إعطائهم أموال أناس آخرين. أريد أن أمنحهم الفرصة أن يخرجوا ويكسبوا المال.

ويمكن أن يكون متباسطاً بشكل مفرط وعلى نحو خطير فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، حيث كان المرشح الوحيد الذي أعلن بكل صراحة أنه سوف يقصف المنشآت النووية الإيرانية.

لكن سانتورم أكثر من مجمل تحيزاته. وعلى عكس الكثير من كبار الساسة الآخرين أصحاب الخطب الرنانة، فإن سانتورم مخلص لما يؤمن به. فقد تعرفت عليه وعلى زوجته "كارين" منذ حوالي 15 عاماً، عندما أجرينا حوارات مكثفة بشأن وفاة ابنهما غابريل عقب ولادته مباشرة.

وكانت زوجته قد أوشكت على الهلاك بسبب تسمم الحمل، لكنها رفضت أن تخضع لعملية إجهاض مستحث. ومن خلال تذكر أحداث الماضي، اعترفت لي أنها لم تكن تتدبر الأمر بشكل واضح، حيث كان لديها ثلاثة أطفال آخرون. لكن سانتورم خضع لرغباتها بإجراء عملية ولادة طبيعية . وبعد تعرض كارين للإجهاض، أحضر الوالد والوالدة جثة الطفل إلى المنزل ليلاً لكي يرى أخوته أنه كان "طفلاً جميلاً وضئيل الحجم"، حسبما ذكر لي سانتورم ذلك.

كذلك يعتبر سانتورم أكبر من مجمل مواقفه حيال القضايا الاجتماعية. وفي السباق الرئاسي المقبل، سوف يشكّل تحدياً بارزاً من الطبقة العاملة في مواجهة نزعة رومني المتحفّظة حيال الشركات. فقد عارض سانتورم خطة إنقاذ وول ستريت، ويبدي قلقه إزاء أسلوب رومني فيما يتعلق برأسمالية الاستثمار في الأسهم الخاصة التي كلفت الكثير من الوظائف.

وأقترح أن يتم إلغاء الضرائب المؤسساتية على القطاع الصناعي. وفي خطابه الذي ألقاه في ولاية أيوا، أخيراً، تساءل: لماذا يتم تحصيل ضريبة من قطاع التجزئة بمعدلات أعلى من القطاع الصناعي؟. وقال: "محلات وول مارت لن تنتقل إلى الصين". ويمكن أن يكون إجراء مناظرة حقيقية بين رومني وسانتورم مسألة ذات قيمة وكاشفة.

 

الشخصية المفضلة

لا يزال رومني هو الشخصية المفضلة بشكل كبير بالنسبة لترشيح الجمهوريين. ولديه السناريو الذي كان يريده. وأكبر منافسين له في الانتخابات، وهما نيوغنيغريتش وريك بيري، هزما في أيوا. لكن هناك تهديداً أكثر عمقاً لتطلعات رومني على المدى الطويل، حيث لا يزال مرشحاً غير محبوب ربما لا يكون مصدر إلهام كافٍ بالنسبة لعدد من الجمهوريين الذين لن يخرجوا لصناديق الاقتراع والتصويت لصالحه. في عام 2008، بعد الهوان الذي لحق بالحزب الجمهوري بعد ثماني سنوات من ولاية الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، حضر المؤتمر التحضيري للانتخابات حوالي 120 ألف مواطن من ولاية أيوا.